الجزيرة.نت - 2/8/2026 2:02:22 PM - GMT (+3 )
ما إن يطرح السؤال حول "المشروع الوطني الفلسطيني" والحاجة لإعادة تعريفه، حتى يقترن بسؤال ثانٍ، لا يقل أهمية وإلحاحا؛ سؤال الرافعة الوطنية لهذا المشروع، وعما إذا كانت الأطر والهياكل والفصائل التي شكلت المشهد الفلسطيني طيلة العقود الستة الفائتة، ما زالت صالحة (مؤهلة) لقيادة المرحلة الإستراتيجية الجديدة التي دلف إليها الفلسطينيون بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول وطوفان الأقصى، وما أحاط بقضيتهم الوطنية، من تحولات وديناميات "نوعية"، إقليميا ودوليا.. فلا مشروع وطنيا من دون رافعة وطنية، تحمله وتنهض به.
وتتناسخ عن سؤال الحاضنة والرافعة، سلسلة من الأسئلة والتساؤلات، بعضها يتصل بالهياكل القائمة: المنظمة والسلطة، وبعضها الآخر ينصب على مصائر الفصائل المكونة للحركة الفلسطينية، بجناحيها الوطني والإسلامي، وما بينهما من قوى ومجاميع يسارية، جهدت طيلة عشريات خمس، في تشكيل قطب يساري (ثالث)، دونما نجاح يذكر.
كما تتناسل الأسئلة والتساؤلات، حول مصائر الحراكات الفلسطينية، داخل الوطن المحتل وخارجه، لا سيما أن ولادة معظمها، جاءت من خارج الأرحام الفصائلية، بل وتشكلت في الغالب من جيل جديد من الفلسطينيين، لم يعاصر التجربة في مراحلها المتعاقبة.
يجادل "فتحاويون" بأن حركتهم، كطائر "الفينيق"، قادرة على الانبعاث مجددا، واستعادة سيرة السلف الصالح، من رموز وقيادات تشتد "النوستالجيا" لهم ولإرثهم الكفاحي هذه الأيام، من دون أن نرى في أفق الحركة، "مركز ثقل وازن"، مطروحا لانتشال الحركة أو أجزاء رئيسة منها، من أوحال أوسلو والتزاماتها القاتلة
ويتكشف الجدل الفلسطيني عن مروحة واسعة من الأفكار والفرضيات، تذهب في شتى الاتجاهات: بعضها يقترح أن "جديدا لن ينبثق إلا بموات القديم"، بمعنى الذهاب إلى حركة وطنية جديدة.. وبعضها على النقيض، ما زال يعقد رهاناته على القديم، بمعنى الذهاب إلى تجديد الحركة الوطنية القائمة، وصولا إلى حركة وطنية متجددة من داخلها.
فيما تقترح آراء أخرى، مسارات أكثر تعقيدا، يتعين على الشعب الفلسطيني، وطلائعه ونخبه الجديدة، أن تسبر أغوارها، وصولا لإنجاز هدفي صياغة المشروع الوطني الفلسطيني وإعادة تعريفه، وتعبيد الطريق لانبثاق روافع جديدة، تشكل في مجملها، صورة وملامح الحركة الوطنية الفلسطينية للسنوات والعقود القادمة.
مأزق "أول الرصاص…"لأنها طبعت الحركة الوطنية بطابعها الخاص، منذ أن أطلقت رصاصتها الأولى في الفاتح من يناير/كانون الثاني 1965، وتولت بعيد سنوات من انطلاقتها قيادة المنظمة والاستئثار بها، وأسست "سلطة وطنية" على رمال أوسلو المتحركة، وتحكمت بمراكز السيطرة والسطوة فيها، يتركز النقاش الفلسطيني العام حول واقع حركة فتح ومآلاتها، وليس في ذلك "استهداف" للحركة كما يظن بعض منتسبيها، بل "اعتراف" بدورها التأسيسي ومكانتها التي ما زالت حاضرة بقوة، في المشهد الفلسطيني، بصرف النظر عن الاتفاق أو الافتراق مع سياساتها وممارساتها طيلة أزيد من ثلث قرن انقضى.
إعلان
"ثلاثة مسميات لمسمى واحد"، عبارة نسبت لأحد قادة الحركة، في وصف علاقة فتح بالسلطة والمنظمة، فلا معنى للحديث عن فتح دون الحديث عن "الممثل الشرعي" أو السلطة القائمة، فالحركة التي انتقلت إلى موقع الحزب الحاكم، باتت في وضعها الراهن، نسخة غير مزيدة وغير منقحة، عن تجربة الأحزاب الحاكمة في عدد من الدول العربية التي أطيح بمعظمها في ثورات الربيع العربي.
والمنظمة التي تقودها، لم تعد تختلف في تشكيلها وأدائها، وآليات اتخاذ القرار ورسم السياسات فيها، عن تجربة الجبهة المتحدة التي أنشأها "البعث" الحاكم في سوريا، والأخطر من كل هذا وذاك، أنها باتت توفر حاضنة اجتماعية، لتحولات السلطة والمنظمة المتسارعة، للتكيف مع مخرجات الحل الأمريكي-الإسرائيلي للقضية الفلسطينية.
يجادل "فتحاويون" ببؤس المقارنة مع أحزاب حاكمة، ولدت في "ماكينات" الاستبداد والفساد، لتحسين صورة بعض الأنظمة وتجميل وجهها القبيح، فيما الحركة نشأت من رحم الشارع والمخيم في الوطن والشتات، وهذا صحيح.. لكن الصحيح أيضا، أن ليست الأحزاب الحاكمة جميعها، تم تصنيعها في "مختبرات السلطة"، فهناك أحزاب حكمت بعد سنوات نضال مديدة ومريرة، وحولها الحكم، والإمساك المتمادي بتلابيب السلطة والثروة، إلى "نقيضها"، وباتت عبئا على شعوبها لا ذخرا لها، قبل أن تصبح أداة لتأبيد أنظمة الفساد والاستبداد، لا سدا في وجهها.
وعندما احتاج الحاكم لها في مواجهة المد الشعبي الغاضب، لم يجدها، تبخرت وكأنها لم تملأ الفضاء يوما. وهنا نحيل هذا الفريق، لإعادة قراءة تجارب الأحزاب الحاكمة في تونس، واليمن، وسوريا، والعراق، وكيف أفسدت السلطة مرجعياتها السياسية والفكرية، على تنوعها، من وطنية تحررية، إلى اشتراكية قومية، لامست ضفافا يسارية طافحة في بعض الأحيان.
على أن الغائب عن مرافعات كثرة من "الفتحاويين"، أن حركتهم تتولى الحكم في "سلطة لا سلطة لها"، وأن صلاحيات الحكم والسلطة التي تمارسها، مشروطة بتقديم "خدمات أمنية" للاحتلال، ومحدودة بالقدر والنطاق اللذين يسمح بهما، وأن الحركة قفزت إلى قمة الحكم، قبل أن تتم مهام "التحرر الوطني"، وأن كفاح شعبها يبتعد عن الوصول إلى "خط النهاية" بدل الاقتراب منه، وأن موجة الفاشية والعنصرية التي تجتاح المجتمع الإسرائيلي، سلطة ومعارضة ورأيا عاما، تحيل رهاناتهم، إلى كومة من القش بانتظار عود ثقاب.
ويجادل "فتحاويون" بأن حركتهم، كطائر "الفينيق"، قادرة على الانبعاث مجددا، واستعادة سيرة السلف الصالح، من رموز وقيادات تشتد "النوستالجيا" لهم ولإرثهم الكفاحي هذه الأيام، من دون أن نرى في أفق الحركة، "مركز ثقل وازن"، مطروحا لانتشال الحركة أو أجزاء رئيسة منها، من أوحال أوسلو والتزاماتها القاتلة، فيما يبرز القائد الأسير، مروان البرغوثي، بوصفه الرصاصة الأخيرة التي يمكن أن تستنقذ "أول الرصاص"، على أن الرهان الأخير، سيبقى معلقا على جملة من الشروط، ليس أقلها، أن يتنفس نسائم الحرية بعد طول غياب في غياهب الجب.
والخلاصة، أن ليس من الحكمة، و"المصلحة" كذلك، الإفراط في التفاؤل والرهان على تجديد الحركة واستنقاذها من داخلها، كما أن ليس من الحكمة، ولا "المصلحة" أيضا، التفريط بأي فرصة يمكن أن تتوفر لتيارات من كوادر فتح وقواعدها، للانتفاض على الحالة البائسة التي انتهت إليها الحركة الأم، بل يتعين تشجيع ألوف المناضلين والمناضلات من أبناء الحركة، لأخذ زمام أنفسهم بأنفسهم، إن لم يكن بهدف منع مزيد من الانهيارات، فأقله، عدم السماح بأخذ الجميع، بجريرة السياسات المتهافتة للسلطة.
مأزق "العمود الفقري الثاني"نجحت حركة المقاومة الفلسطينية- حماس، في أن تصبح "العمود الفقري الثاني" للحركة الوطنية الفلسطينية، وقبل أن ينقضي زمن طويل على انطلاقتها. بيد أن شرعيتها الشعبية والكفاحية (الجهادية)، لم تسعفها على الاندماج في "الشرعية الرسمية" لمنظمة التحرير، ولا في السلطة، حين حاولت ذلك بعد فوزها الكاسح في انتخابات 2006، وتلكم حكاية أخرى، لا متسع لتناولها في هذه المقالة.
إعلان
وجاء زمن بدا معه، أن الحركة الفلسطينية، قد جرى "تعويمها" فعلا على الساحتين؛ العربية والدولية، مع وصول "الإسلام السياسي" إلى سدة الحكم في عدد من الدول العربية الوازنة، إثر نجاح "ثورات الربيع" في الإطاحة بعدد من الحكام والحكومات في العالم العربي.
غير أن هذا الفاصل القصير سرعان ما انتهى، لتدخل الحركة الفلسطينية مرحلة أكثر تعقيدًا، دفعت خلالها أثمان التحولات العميقة التي شهدتها المنطقة، مع تراجع قوى الإسلام السياسي عن مواقع الحكم في عدد من الدول العربية، وانعكاس ذلك على البيئة الإقليمية الحاضنة لها. وهكذا تحوّلت عوامل كانت في مرحلة سابقة مصدر دعم وامتداد سياسي وشعبي، إلى عناصر ضغط إضافية، أسهمت في تضييق هوامش الحركة وإعادة فرض القيود على حضورها الإقليمي والدولي.
وسيسجل التاريخ الفلسطيني، أن الحركة وإن كانت "الأخير زمانه" من بين مختلف الفصائل الفلسطينية، إلا أنها جاءت "بما لم تستطعه الأوائل"، في ميادين المقاومة والكفاح المسلح. وليس السابع من أكتوبر/تشرين الأول سوى شاهد على قدرة الحركة على "تجاوز ذاتها" بعد أن تجاوزت الآخرين بمسافات وأشواط.
على أن الحركة اليوم، تواجه مفترقا مصيريا حاسما، لا نعرف إن كانت ستتجاوزه وكيف، وما هي أسئلة "اليوم التالي" لحماس، بعد كل هذه الارتدادات الزلزالية لطوفان الأقصى، وفي ضوء جملة التحولات النوعية التي طرأت بفعله، أو بفعل عوامل أخرى، على النظامين الإقليمي والدولي؟
أسئلة المستقبل، تبدو "وجودية" في حالة حماس، والتوجهات التي ستسلكها الحركة في قادمات الأيام، ستقرر مكانتها على الخريطتين؛ الوطنية والإقليمية سواء بسواء.
إلى جانب هويتها الأيديولوجية، الإسلامية بطبعتها "الإخوانية"، لم يرتبط اسم حماس بشيء أو تتميز به، مثلما ارتبطت بالمقاومة المسلحة وتميزت بها.. اليوم تواجه الحركة صعوبات جمة للاحتفاظ بالأمرين معا: السلاح والمرجعية الإسلامية، في بيئة إقليمية ودولية غير مواتية على الإطلاق.
من بين الأطروحات التي يجري تداولها، داخل حماس وخارجها، فكرة "التحول إلى حزب سياسي"، والاندماج في المنظومة السياسية الفلسطينية، أسوة بالجماعات الإسلامية في عدد من الدول العربية والإسلامية، على الرغم من أن طرحا كهذا، على ما يستوجب من تحولات تبدو متعذرة للغاية، لا يجد قبولا لا عند إسرائيل ولا عند السلطة، كما أنه سيصطدم بسيف "الفيتو" المشهر من قبل عواصم عربية ودولية وازنة، تؤثر استئصال "الإسلام السياسي" على احتوائه.
ما الذي سيبقى من حماس إن هي قررت الخروج من "جلدها"، أو عزفت عن خيار "السلاح" والمقاومة؟.. سؤال يتعين التفكير به، قبل المسارعة لتقديم إجابات عنه.. وما الذي يعنيه اندماجها في سلطة ومنظمة تسيران بخطى متسارعة نحو مسارات التكيف مع مخرجات الحل الأمريكي-الإسرائيلي للقضية الفلسطينية؟.. وما المأثرة التي ستسجلها الحركة، إن هي حاكت تجارب الإخوان في المشاركة والمقاطعة، في عدد من الدول العربية، لا سيما ونحن نتحدث عن فلسطين الرازحة أرضا وشعبا، تحت نير احتلال فاشي عنصري، لا مثيل لقبحه في التاريخ؟
هل يمكن في الواقع الفلسطيني الملموس، أن تحاكي الحركة تجربة الفصل بين جناحين، سياسي وعسكري؟ هل تحاكي الحركة تجارب من نوع "الشين فين والجيش الجمهوري الأيرلندي"، "حزب المساواة وبي كاكا" في تركيا؟.. هل ستجد الحركة في تجربة المؤتمر الوطني الأفريقي وكفاحه السياسي الممزوج بقدر من المقاومة المسلحة، ما يمكن أن يكون "ضالة المؤمن"؟.. أسئلة وتساؤلات، ننتظر بفارغ الصبر، الاستماع لإجابات حماس عنها، قبل الدخول في معترك التكهن والتخمين.
حماس، أو تيارات رئيسة منها، ستبقى جزءا من الحركة الوطنية الفلسطينية، أيا كانت خياراتها وبدائلها، تماما كما أن "الإسلام السياسي" سيبقى جزءا من الخريطة السياسية والحزبية العربية، مهما تطاولت حملات الاستئصال واشتدت محاولات الشيطنة، لكن الأسئلة التي لا تفارقنا، هي كيف وبأي صورة ووزن، وتحت أية مظلة؟
مأزق "القطب الثالث"مضى ما يقرب من نصف قرن، على أولى المحاولات "الجدية" لتوحيد اليسار الفلسطيني في جبهة أو تحالف، قيل في وصفه وتشخيص أهدافه، إنه ديمقراطي، ويسعى إلى أن يكون "قطبا ثالثا" بين فتح وحماس.. بيد أن الفشل الذريع، كان حليف هذه المحاولات، إذ طالما سقطت عند أول اختبار.
إعلان
خمسة فصائل وعشرات الشخصيات التي تدور في فلكها، يتشكل منها هذا التيار: الجبهة الشعبية، الديمقراطية، حزب الشعب، فدا والمبادرة الوطنية"، قلما نجحت متحدة في خوض غمار معركة واحدة، برغم أنها مجتمعة، لم تصل خلال العشرين أو الثلاثين عاما الفائتة، حاجز الـ10% من التأييد الشعبي والتحصيل الانتخابي.
"الشعبية"، أهمها وأكثرها فاعلية، تبدو الأقرب لخيار المقاومة وطنيا (حماس والجهاد) وإقليميا (المحور)، "الديمقراطية" تتموضع في منزلة بين منزلتين (السلطة والمقاومة)، وحزب الشعب، ومعه فدا، في علاقتهما بالسلطة والمنظمة، يذكراننا بتجربة خالد بكداش والجبهة الوطنية السورية "لصاحبها حزب البعث العربي الاشتراكي"، أما المبادرة، فهي تتمحور حول شخصية مؤسسها، وتتموضع بدورها في منزلة بين منزلتي الحزب السياسي والمجتمع المدني.
وثمة مفارقة مؤلمة تتكشف عنها تجارب تشكيل "القطب الثالث"، وتتجلى في اشتداد الحاجة لانبثاق هذا القطب من جهة، وتآكل الآمال بقدرة هذه المكونات، على تشكيله من جهة ثانية، تماما مثلما هي حاجة الشعب الفلسطيني الماسة لوحدته الوطنية، فيما الآمال تتلاشى بقدرة فصائله على إتمامها، وتلكم حكاية ثانية، لا مطرح في هذا المقال لتناولها.
سيبقى هذا التيار حاضرا في المعادلة الداخلية الفلسطينية، وستتسع هوامش حركته أو تضيق تبعا لما تقرره قياداته من جهة، وما يحيط بالمسألة الفلسطينية من ظروف ومتغيرات إقليمية ودولية من جهة ثانية.
وهنا نفتح قوسين للتحذير من مغبة الإفراط بالتفاؤل في قدرة هذا التيار على استحداث "الفارق" في هذه المعادلة، أو التفريط بدور كامن، يمكن أن يلعبه في قادمات الأيام، كجزء من حركة وطنية فلسطينية جديدة، ومتجددة.
ولادة من خارج الرحمثمة عشرات، إن لم نقل مئات، الحراكات والمبادرات التي تنشأ وتنحل، تنبثق وتتلاشى، تتوحد مع غيرها وتنقسم على نفسها، تعتمل جميعها في أوساط الشعب الفلسطيني، في الداخل والشتات، فيما يشبه مخاض الولادة من خارج رحم الفصائل المعروفة، وبصورة تحاكي وتتخطى حالة "التيه" التي عاشها الشعب الفلسطيني في سنوات ما بين النكبة و"الانطلاقة".
جيل جديد من الفلسطينيين، يأخذ على عاتقه زمام المبادرة، ويلعب دورا فاعلا في تزخيم حملات التضامن الدولية غير المسبوقة، مع الشعب الفلسطيني، جيل أظهر في الضفة الغربية- على سبيل المثال- قدرة فائقة على مقاومة الاحتلال، وهو المتحرر من قيود أوسلو و"تنسيقها الأمني"، جيل نشأ من خارج "هندسات" توني بلير وكيت دايتون، ولم تقوَ السلطة على احتوائه وطيه تحت إبطها، بالنظر لضائقتها الاقتصادية والحدود التي تفرضها على التوظيف والتشغيل، جيل غادر ثقافة الخوف، وتعلم من يومياته، فنون مقاومة الاحتلال.
وثمة جيل جديد من النخب الفلسطينية: أكاديميين ومثقفين شباب، أتقن لعبة الغرب وقواعدها، وأجاد لغاته وانغمس في ثقافته، يناظره جيل من الأكاديميين والناشطين داخل الخط الأخضر، درس ودرّس في الجامعات الإسرائيلية، وأتقن مناهج التفكير النقدي، خارج الصندوق وداخله.. أجيال يعول عليها في الحفاظ على السردية والرواية الفلسطينيتين، وفي حمل راية مقاومة الاحتلال والعنصرية (الأبارتيد)، لسنوات وعقود قادمة.
هي حراكات ومبادرات مبعثرة ومتفرقة، ربما تنتظر من يعلق الجرس ويشق الطريق أمامها، لتلتحق بالمجرى العريض لحركة وطنية فلسطينية جديدة، يجمعها مشروع وطني فلسطيني جامع، تناولنا أبرز معالمه في مقالتنا الأخيرة على هذا الموقع، تتلاقح تحت سقفها، مختلف الأفكار والرؤى والأيديولوجيات، وتعيد بعث وتشكيل الرافعة الوطنية للمشروع الوطني.
تحت هذه المظلة الورافة، يمكن لتيارات أن تتشكل، من يسار ويمين ووسط، تماما مثلما كانت عليه حركة فتح في مرحلة صعودها، وتحتها، ستجد فصائل ومجاميع الحركة الوطنية المتحددة، دورا لها، بلا هيمنة ولا استئثار، ومن دون أفضلية منسوبة لتاريخ مشرف، لم يعد له ما يدعمه، لدى كثرة من الفصائل القائمة في واقعها الراهن.
توحيد هذه المبادرات والحراكات، أولوية أولى للشعب الفلسطيني وطلائعه، وثمة قوى مؤهلة أكثر من غيرها، للقيام بهذا الدور، وأشير إلى حماس، التي ستجد في هذه الحراكات، طريقها للخروج من استعصاءات الأسئلة الإستراتيجية التي تجد نفسها أمامها هذه الأيام، وجها إلى وجه.
خلاصاتفصائل العمل الوطني والإسلامي الفلسطينية في مأزق، وإن كان من طبيعة مختلفة، وبدرجات أكثر تفاوتا من حيث الحدة والشدة لا بديل عن المراجعة والتقييم، لإعادة "تقويم" المسار، من ضمن حركة وطنية متجددة، فلن تصلح الأدوات والهياكل القديمة في إدارة وقيادة مرحلة إستراتيجية جديدة تطل برأسها على الشعب وقضيته ومستقبله.
إعلان
لا مناص من التفكير جديا، ببعث حركة وطنية فلسطينية جديدة، كتتويج لكل ما يعتمل في أوساط هذا الشعب من حراكات ومبادرات، ولا بد من تجديد وتشبيب الأطر والهياكل الفلسطينية القائمة، وخلق أطر وهياكل جديدة، فالتاريخ لا يتوقف عند فصيل بعينه، أو ينقطع ويتجدد مع ذكرى انطلاقته السنوية.
لا مناص من استرداد منظمة التحرير وتحريرها ممن أحالها إلى دائرة صغرى من دوائر السلطة، وتحويلها إلى مجرد "خاتم" لتوقيع صفقات وتسويات مريبة. لا مندوحة عن توافق وطني، يعيد تعريف وظائف السلطة الفلسطينية، بتجريدها من السياسة والسيادة، إلى الخدمات وتدبير الشأن اليومي للفلسطينيين تحت الاحتلال، وإحالة كل ما يتصل بالقرار الوطني إلى المنظمة.
لا خيار أمام الشعب الفلسطيني، سوى التوافق على سلم أولويات ضاغطة، تتصدر أجندته الوطنية في مختلف أماكن تواجده: إسقاط مؤامر التهجير، وتعزيز الصمود والثبات على الأرض، تحرير الأسرى والأسيرات، إعمار غزة ومقاومة الاستيطان الزاحف في الضفة، والتصدي لقطعان المستوطنين، إدامة زخم حركة التضامن العالمية مع الشعب الفلسطيني، إلى جانب مروحة واسعة من المهام التي لا تقل أهمية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
إقرأ المزيد


