"عطر المومياء".. باحثون يوثقون روائح الحضارات القديمة عبر "شمّ" التاريخ
الجزيرة.نت -

Published On 8/2/2026

|

آخر تحديث: 10:42 (توقيت مكة)

شارِكْ

بينما اعتدنا أن نرى التاريخ في الصور والتماثيل والمخطوطات، يتجه فريق من العلماء الأوروبيين اليوم إلى حاسة أُهملت طويلا وهي "الشم" في محاولة لإعادة إحياء الماضي عبر روائحه المحفوظة في الكتب القديمة والمومياوات الفرعونية.

يقول ماتيا ستيرليتش، أخصائي الكيمياء التحليلية بجامعة ليوبليانا في سلوفينيا "بدون الرائحة نفقد الشعور بالحميمية، لأن الروائح تخلق شكلا من التفاعل بين الإنسان والأشياء".

اقرأ أيضا list of 4 itemsend of list
توثيق الروائح

في مكتبة كاتدرائية القديس بول في لندن، حيث تعود بعض الكتب إلى القرن 12، عمل ستيرليتش وفريقه على توثيق الروائح التي تعبق بالمكان منذ قرون. وركز الباحثون على الروائح المتصاعدة من الكتب القديمة وقطع الأثاث الخشبي التي لم تتغير منذ عام 1709.

استعان الفريق بخبراء في الشم لوصف ما يشمونه داخل المكتبة باستخدام قائمة تضم 21 توصيفا شائعا للروائح مثل خشبية وترابية ودخانية وحمضية. وبرغم تنوع الانطباعات اتفق الجميع تقريبا على أن هوية المكان يمكن تلخيصها في عبارة واحدة "رائحة خشبية" مع لمسة حمضية خفيفة تعكس تحلل الأوراق القديمة بفعل الزمن.

انتهى المشروع إلى صياغة ما يشبه "وصفة كيميائية" لرائحة المكتبة بما يسمح نظريا بإعادة إنتاج عبق الكتب القديمة في مكان آخر أو حتى في متحف يحاول إعادة خلق أجواء مكتبة تاريخية مفقودة.

من رائحة الورق إلى "عطر المومياء"

بعد هذه التجربة انتقل ستيرليتش إلى مشروع أكثر إثارة وهو "دراسة روائح المومياوات الفرعونية في المتحف المصري" وذلك بالتعاون مع علماء من مصر وسلوفينيا وبولندا وبريطانيا. ويدرس الفريق تسع مومياوات قديمة بهدف فهم ما استخدم في تحنيطها وإعادة تركيب الروائح المرتبطة بهذه العملية لإتاحتها لزوار المتحف.

يقول ستيرليتش "قد تتوقع أن تكون رائحة المومياوات التي يعود تاريخها إلى آلاف السنين منفرة، لكن الروائح كانت طيبة بشكل يدعو للدهشة". ويُرجع ذلك إلى الزيوت والراتنجات والمركبات العطرية التي استخدمها قدماء المصريين والتي ما زالت آثارها المتطايرة قابلة للكشف حتى اليوم.

إعلان

يجمع الباحثون عينات هواء من داخل التوابيت ثم يحللون مكوناتها للوصول إلى "بصمة" كل رائحة قبل محاولة إعادة تركيب ما يصفونه بـ"عطر المومياء" عبر مزج عدد من المركبات بنسب مختلفة في عملية تعتمد على التجربة والخطأ ومقارنة مستمرة مع الرائحة الأصلية.

تاريخ بحاسة الشم

ترى مؤرخة الثقافة إنغر ليمانز من الأكاديمية الملكية الهولندية للفنون والعلوم أن الروائح جزء مهم من الحضارة حتى وإن عملت في الخلفية دون أن نلتفت إليها، وتقول إن إعادة إنتاج الروائح التاريخية يمكن أن تجعل المتاحف أكثر قربا من الزائر العادي لأن "الرائحة لا توجد طريقة صحيحة واحدة لوصفها" بعكس اللوحات أو النصوص.

بهذا المعنى لا يقدم مشروع "عطر المومياء" مجرد تجربة طريفة، بل يفتح بابا أمام طريقة جديدة لسرد التاريخ لا تكتفي بما تراه العين، بل تستدعي أيضا ما يمكن للأنف أن يحفظه من ذاكرة الماضي.



إقرأ المزيد