مشاركون في منتدى الجزيرة: الإفلات من العقاب يهدد القانون الدولي.. وإسرائيل نموذجا
الجزيرة.نت -

الدوحة- شدّد خبراء ومشاركون في منتدى الجزيرة السابع عشر في الدوحة على ضرورة العمل الفوري لمنع إفلات مرتكبي جرائم الحرب من العقاب، مؤكدين أن القضية الفلسطينية تمثل اختبارًا حاسمًا لجدية تطبيق القانون الدولي وسيادة العدالة.

وخلال جلسة بعنوان القضية الفلسطينية: تحديات وفرص تحقيق المساءلة وسيادة القانون، ضمن أعمال الدورة السابعة عشرة لمنتدى الجزيرة، أكد المشاركون أن العالم شهد خلال العامين الماضيين تخطيطا منهجيا وتنفيذا متدرجا لما يمكن وصفه بجريمة إبادة جماعية، لافتين إلى أن ملامح هذه الجرائم باتت اليوم معروضة أمام المجتمع الدولي دون مواربة.

وشدّد المشاركون على أن العدالة لا تتحقق إلا من خلال التزام الدول بآليات التنفيذ القانوني، مع مواجهة محاولات تبرير الانتهاكات وتضليل الرأي العام، معتبرين أن إفلات الجناة يهدد الضمير الإنساني ويقوّض أسس العدالة العالمية.

جريمة واضحة

وقالت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، فرانشيسكا ألبانيزي، إن ملامح الإبادة الجماعية كانت واضحة منذ وقت طويل، إلا أنها اليوم باتت معروضة أمام المجتمع الدولي.

وأضافت ألبانيزي، في مداخلة مسجلة خلال الجلسة، أن كشف هذه الانتهاكات والتصدي لها كان مهمة شاقة، لافتة إلى أن قناة الجزيرة تدرك ذلك جيدًا، بوصفها مؤسسة إعلامية تكبّدت خسائر كبيرة نتيجة التزامها بدورها المهني في نقل الحقيقة.

وأكدت أن الفلسطينيين هم الأقدر على توصيف حجم المأساة، موضحة أنهم واصلوا بلا انقطاع رواية سيل المعاناة الجارف الذي فُرض عليهم بلا هوادة، معتبرة أن التحدي الأكبر يتمثل في أن جزءًا واسعًا من المجتمع الدولي، بدلًا من العمل على وقف الانتهاكات، اختار تسليح إسرائيل، وتوفير الغطاء السياسي لها، والدعم الاقتصادي والمالي الذي مكّنها من الاستمرار.

العدالة الانتقائية

من جهتها، قالت المدعية العامة السابقة للمحكمة الجنائية الدولية، فاتو بنسودا، إن انعقاد منتدى الجزيرة يأتي في لحظة لم يعد ممكنًا تجاهل حقيقتها، في إشارة إلى حجم المعاناة والدمار الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني، مؤكدة أن هذا الواقع يفرض تحركًا عاجلًا ومسؤولًا.

إعلان

وانتقدت بنسودا ما وصفته بـ"العدالة الانتقائية"، معتبرة أنها لا تضعف حقوق الضحايا فحسب، بل تقوّض أسس الإنسانية المشتركة، مؤكدة أن تكريم معاناة الضحايا يقتضي عدالة شاملة وغير انتقائية تُطبّق على الجميع دون استثناء.

وشددت على أن سيادة القانون يجب أن تكون عالمية، صارمة، ومحايدة، محذّرة من أن إخضاع العدالة للحسابات السياسية أو السماح بالإفلات من العقاب يضع ضمير العالم بأسره في خطر، لافتة إلى أن ترك أي شعب بلا حماية يعني أن لا أحد سيكون آمنًا.

وأكدت أن فلسطين تمثل اختبارًا حاسمًا للقانون الدولي في القرن الحادي والعشرين، داعية إلى كسر حلقة الإفلات من العقاب، وتجديد الالتزام الجماعي بالعدالة، مشددة على أن معاناة الضحايا، دون تمييز، يجب أن تكون الشرارة التي توقظ الضمير الإنساني، وتؤسس لمعيار جديد للعدالة، لا لشعب واحد، بل للإنسانية جمعاء.

المشاركون أكدوا أن العدالة لا تتحقق إلا من خلال التزام الدول بآليات التنفيذ القانوني (الجزيرة)
خطاب الاستثناء

وقال أستاذ القانون الدولي والتحكيم بجامعة حمد بن خليفة في قطر، إلياس بانتيكاس، إن الدول القوية اعتمدت تاريخيا مسار الالتفاف على القانون الدولي وتقويض تطبيقه عبر ما وصفه بـ"خطاب الاستثناء"، الذي يقوم على الإقرار بوجود القانون، مع الادعاء بأن بعض الدول تمتلك، في حالات بعينها، حقا خاصا في الخروج عليه لا يُمنح لغيرها.

وانتقد بانتيكاس، خلال مشاركته في الجلسة، محاولات بعض الأطراف، وعلى رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل، الدفع في اتجاه إعادة ترسيم حدود القانون الدولي أو تقليص نطاقه، مؤكدًا أن القانون الدولي بصيغته الحالية كافٍ ولا يحتاج إلى تعديل، بل إلى تطبيق فعلي وإرادة سياسية لتنفيذه.

طارق شندب: الدول العربية والإسلامية لم تتخذ موقفا عمليا موحدا تجاه محاسبة مجرمي الحرب (الجزيرة)
منطق القوة

من جهته، قال الباحث والمتخصص في القانون الدولي، طارق شندب، إن الدول العربية والإسلامية لم تتخذ حتى الآن موقفا عمليا موحدا تجاه محاسبة مجرمي الحرب الإسرائيليين، وعلى رأسهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وأوضح شندب، في تصريح للجزيرة نت، أن عددًا من الدول الأوروبية، مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، منحت محاكمها الوطنية صلاحيات واسعة لملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية استنادًا إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية، مشيرًا إلى أن ألمانيا، على سبيل المثال، أصدرت مذكرات توقيف بحق متهمين بارتكاب جرائم في سوريا.

وأضاف أن السؤال الجوهري هو لماذا تمتنع الدول العربية عن اتخاذ خطوات مماثلة؟ لافتًا إلى أن العديد من الدول العربية نصّت في أنظمتها الأساسية على إنشاء محكمة عربية، لكن هذا النص بقي معطّلًا ولم يُفعَّل حتى اليوم.

وتابع شندب أن منظمة التعاون الإسلامي، باعتبارها ثاني أكبر منظمة دولية بعد الأمم المتحدة، تمتلك هي الأخرى أدوات قانونية وسياسية تمكّنها من التحرك.

ويفتح عدم تحرك الدول العربية والإسلامية قانونيًا الباب أمام استخدام آليات العدالة الدولية بشكل انتقائي ضدها، كما يحدث اليوم في الحالة الفلسطينية، حسب شندب، مؤكدًا أن أكثر من 70 ألف شهيد فلسطيني سقطوا حتى الآن، بينما لا تزال إجراءات الردع القانونية محدودة الأثر.

إعلان

وتساءل شندب عن جدوى مذكرات التوقيف الدولية وحدها، قائلًا: هل أوقفت هذه المذكرات القصف؟ الجواب هو لا، معتبرًا أن ذلك يستدعي إعادة النظر في تطوير النظام الدولي القائم، سواء على مستوى الأمم المتحدة أو المحكمة الجنائية الدولية.

سعيد بن عربية: القانون أصبح عاجزًا أمام من يملك القوة وفرض سلطته السياسية (الجزيرة)
فرض السلطة

وفي تصريح للجزيرة نت، قال مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا باللجنة الدولية للحقوقيين سعيد بن عربية، إننا ربما نعيش في فترة أصبح فيها القانون عاجزًا أمام من يملك القوة أو السلاح، أو أمام من يملك القدرة على فرض سلطته السياسية.

وأضاف أن هذا الواقع يتضح بجلاء في القضية الفلسطينية أمام المحكمة الجنائية الدولية، حيث يشير التأخر في تنفيذ مذكرات التوقيف إلى تحديات حقيقية في تحقيق العدالة.

وأوضح بن عربية أن المحكمة الجنائية الدولية قامت بمتابعة القوانين وأجرت تحقيقات مستقلة، وأسفرت عن أدلة واضحة تشير إلى وقوع جرائم على أيدي مسؤولين إسرائيليين، ما أدى إلى إصدار مذكرات توقيف دولية بحقهم غير أن هذه المذكرات لم تُنفذ حتى الآن، وهو ما يثير مخاوف من استمرارية الإفلات من العقاب ويضعف ثقة الرأي العام الدولي في آليات العدالة الجنائية الدولية.

وشدد بن عربية على أن تعزيز الالتزام بتنفيذ قرارات المحكمة يتطلب تضافر جهود الدول العربية والإسلامية، وإعمال آلياتها القانونية والإقليمية لضمان عدم إفلات مرتكبي الجرائم من العقاب، مؤكدًا أن العدالة لن تتحقق إلا من خلال عمل مشترك يجمع بين القانون الدولي والإرادة السياسية الجادة.



إقرأ المزيد