هيكل المنظومة العسكرية الإيرانية
الجزيرة.نت -

Published On 5/2/2026

|

آخر تحديث: 13:18 (توقيت مكة)

شارِكْ

تُمثل القوات المسلحة الإيرانية نموذجا فريدا ومثيرا للجدل في التشكيلات العسكرية الحديثة، فهي لا تكتفي بجيش وطني تقليدي، بل تعتمد على نظام "السيادة العسكرية المزدوجة" الذي يجمع بين الجيش النظامي التقليدي والحرس الثوري.

هذا الهيكل المعقد -الذي يشرف عليه المرشد الأعلى بصفته القائد العام- لا يستهدف فقط حماية الحدود الجغرافية للبلاد، بل صُمم بالأساس لضمان بقاء النظام، وتوزيع القوة العسكرية بما يمنع تركزها في يد جهة واحدة، كما أنه له قوة مخصصة لخارج الحدود.

وفي ظل التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وما يلوح فيها من أشباح الحروب والصراعات القنية، تبرز المنظومة العسكرية الإيرانية كواحدة من كبرى القوى البشرية في غرب آسيا، معتمدةً على استراتيجية "الردع غير المتماثل". وتعتبر الصواريخ الباليستية، والطائرات المسيرة، وشبكة الحلفاء الإقليميين هي الأذرع الضاربة لهذه المنظومة، مما يجعل فهم هيكليتها التنظيمية مفتاحا أساسيا لتحليل توازنات القوة الإقليمية والدولية.

القوات الإيرانية شاركت في 1 فبراير/شباط 2026 في مراسم إحياء ذكرى دخول الخميني إلى إيران عند ضريحه (غيتي إيميجز)
جذور الازدواجية العسكرية

لم تكن المنظومة العسكرية الإيرانية بهذا الشكل قبل عام 1979؛ فالدولة كانت تعتمد كليا على "الجيش الإمبراطوري الإيراني" الذي كان يُعد من أقوى جيوش المنطقة تسليحا وتدريبا. ومع انتصار الثورة، واجه النظام الجديد معضلة أمنية كبرى، وهي: الارتياب العميق من ولاء قيادات الجيش القديم، والحاجة الماسة إلى قوة تحمي الثورة من الانقلابات الداخلية والتهديدات الخارجية.

ولذلك توجّه النظام الوليد إلى إيجاد ثقل عسكري مواز للجيش، ومن هنا جاء تأسيس الحرس الثوري عام 1979 بمرسوم من زعيم الثورة الإيرانية روح الله الخميني، وضمّ في صفوفه العناصر الثورية المؤمنة بالأيديولوجيا الجديدة.

إعلان

ثم لم خاضت البلاد اختبار الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، لتثبت الحاجة إلى كلتا المؤسستين؛ إذ كان الجيش يقدم الخبرة الفنية واللوجستية والأسلحة الثقيلة، بينما يقدم الحرس الثوري القوة البشرية والعمليات غير التقليدية.

وبعد انتهاء الحرب، بدأت مرحلة التمكين والتوسع تحت قيادة المرشد الحالي علي خامنئي، فتمت "مأسسة" الحرس الثوري ليتحول من مليشيا ثورية إلى جيش متكامل، يمتلك سلاح جو وبحرية خاصين به، كما أنشئت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، من أجل ضمان تجنب أيّ تصادم بين الجيش والحرس، وهو ما شكّل الهيكل الذي نراه اليوم للمنظومة العسكرية في إيران.

وفيما يأتي توضيح لبنية هذه المنظومة، وأهم مفاصلها:

1. قمة الهرم: القائد العام للقوات المسلحة

يتربع على قمّة هرم هذه المنظومة العسكرية القائد العام للقوات المسلحة: المرشد الأعلى علي خامنئي، وهو صاحب السلطة المطلقة والقرار النهائي في الحرب والسلم، كما أنه يعين قادة الجيش والحرس الثوري وقوى الأمن، وتتفرع منه مباشرة جميع الأذرع العسكرية والأمنية أو تخضع لإشرافه.

2. الهيئات الاستشارية والتنسيقية

وتعد المستوى الثاني في هذه المنظومة، بعد المرشد مباشرة، وهي ثلاث مؤسسات رئيسية تدير التخطيط والتنسيق:

  • المجلس الأعلى للأمن القومي: وهو الجهاز المسؤول عن تحديد سياسات الدفاع والأمن القومي وتنسيق الأنشطة السياسية والمخابراتية.
  • هيئة أركان القوات المسلحة: وهي "العقل المدبر" الذي ينسق بين الجيش والحرس الثوري لضمان تجنّب تضارب العمليات.
  • مقرّ "خاتم الأنبياء" المركزي: وهو مركز القيادة والسيطرة العملياتي، المسؤول عن تخطيط وتوجيه العمليات العسكرية المشتركة في وقت الحرب.
الطائرات المسيّرة من البرامج المركزية في الجيش الإيراني (غيتي إيميجز)
3. الأذرع التنفيذية: الجيش والحرس الثوري

وهنا ينقسم هيكل المنظومة العسكرية إلى مسارين متوازيين هما جوهر القوة العسكرية الإيرانية:

أ. الحرس الثوري الإيراني

وهو القوة العقائدية المكلفة بحماية النظام والثورة، ويتكون من:

  • القوة البرية: تركز على الأمن الداخلي ومواجهة التهديدات غير التقليدية، ويقودها: محمد كرمي.
  • القوة البحرية: منفصلة عن بحرية الجيش، وتنتشر بشكل أساسي في الخليج العربي، وتعتمد على الزوارق السريعة، ويقودها: علي رضا تنغسيري.
  • القوة الجوفضائية: مسؤولة عن البرنامج الصاروخي الباليستي الإيراني والطائرات المسيّرة، ويقودها: مجيد موسوي.
  • فيلق القدس: ذراع مسؤولة عن العمليات الخارجية والتحالفات الإقليمية، ويقوده: إسماعيل قآني.
  • قوات التعبئة الشعبية (البسيج): قوة شعبية متطوعة تُستخدم للتعبئة العامة، ويعتمد عليها عادة في مواجهة الاضطرابات الداخلية، ويقودها: غلام رضا سليماني.
أفراد من الحرس الثوري الإيراني في عرض عسكري بمناسبة "أسبوع الدفاع المقدس" (الفرنسية)

ب. الجيش الإيراني

وهو القوة العسكرية المسؤولة عن حماية الحدود وسلامة الأراضي. ويتكون من أربعة فروع تقليدية:

  • القوة البرية: المشاة والمدرعات التقليدية، ويقودها: علي جهانشاهي.
  • القوة البحرية: وتعمل في المياه العميقة (بحر عمان والمحيط الهندي)، ويقودها: شهرام إيراني.
  • القوة الجوية: تشمل المقاتلات الحربية، ويقودها: بهمن بهمرد.
  • قوات الدفاع الجوي: فرع مسؤول عن حماية الأجواء من الهجمات الخارجية، ويقودها: علي رضا إلهامي.

إعلان

4. الوزارات والقوى الأمنية

وتضمّ المنظومة العسكرية والأمنية الإيرانية أيضا:

  • وزارة الدفاع: وتتمتع بدور إداري ولوجستي أكثر من كونه ميدانيا؛ فهي المسؤولة عن الميزانية وتصنيع الأسلحة وتطوير التكنولوجيا العسكرية.
  • قوى الأمن الداخلي والشرطة: وهي المسؤولة عن تطبيق القانون، وحماية المدن، وأمن الحدود البرية، تحت إشراف وزارة الداخلية والمرشد.
استعراض لأسطول منظومة إس 300 التابعة للجيش الإيراني في ٢٠٢٥ بطهران (غيتي إيميجز)
ثمرات ومنافع

وتعتمد إيران هذا الهيكل "المتوازي" لعدة أسباب استراتيجية، لعل من أهمها:

  • تجنّب الانقلابات: لأن وجود قوتين مسلحتين (الجيش والحرس) يمنع أيا منهما من السيطرة المنفردة على الدولة.
  • توزيع الأدوار: فالجيش يختص بالحروب التقليدية، بينما يتولى الحرس الثوري الحروب غير المتماثلة (النيابة، الصواريخ، السيبرانية).
  • المرونة: إذ تسمح هذه المنظومة لإيران بالتحرك عسكريا عبر أذرع غير رسمية (البسيج، وفيلق القدس) مع الحفاظ على المظهر الرسمي عبر الجيش.


إقرأ المزيد