الجزيرة.نت - 2/5/2026 10:53:41 AM - GMT (+3 )
في منازل الفلسطينيين بمدينة القدس المحتلة، لم تعد الخصوصية شأنا ذاتيا، بل باتت موضع فحص وتدقيق من قبل السلطات المحتلة، والتي طالت إجراءات مؤسساتها حتى غرف النوم وثلاجات المقدسيين وسلات القمامة بمنازلهم.
أما الجهة التي تنتهك تلك الخصوصية فهي غالبا "مؤسسة التأمين الوطني" التي تنظم "زيارات" ميدانية مفاجئة، للتأكد من أن "مركز حياة" العائلة المستهدفة هو مدينة القدس، وفي هذه الحالات لا سبيل أمام المقدسيين إلّا فتح أبواب منازلهم.
و"مركز الحياة" مصطلح تستخدمه داخلية الاحتلال ومؤسسة التأمين الإسرائيلية للتأكد مما إذا كانت مدينة القدس وتحديدا المناطق الواقعة ضمن الحدود البلدية، هي المكان الرئيسي لعيش المواطن المقدسي، وبناء على ذلك يتقرر إذا كان يستحق البقاء فيها والحصول على بعض حقوقه ومنها لم الشمل أو تسجيل الأطفال في سجل السكان أو الحصول على مخصصات التأمين.
ويضيف هذا الإجراء -الذي يعتبر في ظاهره إداريا- طبقة ثقيلة من الرقابة المستمرة والضغط على سكان مدينة يعيشون تحت وطأة سياسات تستهدف وجودهم واستقرارهم.
زيارات مفاجئةوغالبا تُنظم الزيارات المفاجِئة للأزواج المختلطة، وذلك عندما يكون أحد الزوجين يحمل هوية القدس الإسرائيلية (الزرقاء) والآخر هوية الضفة الغربية الفلسطينية (الخضراء)، وقد تُنظم لزوجين مقدسيين لكن وزارة الداخلية الإسرائيلية تشكك بمكان سكنهما، وتفترض أنهما يعيشان خارج القدس، وبالتالي تسعى من خلال الطواقم الميدانية لإثبات ذلك لسحب حق الإقامة في المدينة منهما.
يقوم المحققون الميدانيون (موظفو التأمين) بانتهاكات يصفها حقوقيون بـ"الصارخة" لخصوصية العائلات، فيتعمدون -مثلا- فتح الثلاجات، وتفتيش صناديق المهملات، وتفقد عدادات المياه والكهرباء.
ومؤسسة التأمين الوطني جهة رسمية تدير منظومة الضمان الاجتماعي في إسرائيل، وتقدم مخصصات وخدمات تأمينية كمخصصات الأطفال والتأمين الصحي والشيخوخة والإعاقة وإصابات العمل والبطالة، ويستفيد منها المقدسيون عبر التسجيل ودفع رسوم التأمين، شريطة إثبات أن مركز الحياة داخل القدس والالتزام بالمتطلبات القانونية.
إعلان
ومن حيث القوانين العامة، تُطبق الإجراءات ذاتها على الإسرائيليين لكن المقدسيين يواجهون شروط إثبات "مركز الحياة"، وهو ما يجعل الحصول على الحقوق أكثر تعقيدا.
وتضطر العائلات المقدسية للرضوخ لكل هذه الإجراءات، على أمل أن تنجح في تسجيل أطفالها في سجل السكان وتثبيت إقامتهم في القدس، أو الحصول على معاملة لمّ الشمل للزوج أو الزوجة الفلسطيني، ممن ينحدرون من محافظات الضفة الغربية أو من جنسيات عربية أو أجنبية أخرى.
توجهت الجزيرة نت بالسؤال لمدير مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان رامي صالح، عن أبرز ما رصده المركز من حالات تخللها اختراق للخصوصية، وأبرز التغيرات بعد اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
يؤكد صالح أن الإجراءات "اختلفت بشكل كبير بعد الحرب" موضحا أن وزارة الداخلية ومؤسسة التأمين الوطني مارستا ضغوطا جمّة على المواطن المقدسي "وبعض هذه الضغوطات مبالغ بها إلى حد كبير".
"تخترق الزيارات الميدانية -التي تتضمن تفتيشا- خصوصية المقدسيين بشكل صارخ ومهين، ومن يتم إرسالهم من محققين، يصلون برؤية واضحة بأن المقدسي في موضع شك ويجب أن يثبت عكس ما يشك به محقق التأمين الوطني، وهكذا يجد المقدسي نفسه داخل قفص اتّهام" وفق الحقوقي المقدسي.
في الزيارات الميدانية يقلّب المحققون صور الزوجين الشخصية، ويدخلون إلى غرف النوم في معظم الأحيان ويفتشون خزائنها ويقلبون الحاجيات بداخلها، ومن ضمن الحالات التي تابعها مركز القدس دخول محقق التأمين الوطني إلى أحد المنازل، والطلب من صاحبته أن تدله على غرفة نوم ابنتها المقدسية المتزوجة من رجل من الضفة الغربية.
دخلت السيدة أمامه ودون أن تنتبه وضع أسفل وسادة النوم منديلا ورقيا، ثم عاد بعد أسبوع وسأل عن ابنتها وأخبرته المسنة أنها في مكان عملها، فاتّجه إلى الغرفة مجددا وأخرج المنديل الورقي من أسفل الوسادة، وبناء على ذلك اعتبر أن الشابة المقدسية تسكن مع زوجها في الضفة الغربية لا في القدس وإلا لكانت التفتت إلى المنديل الورقي وأزالته، وهكذا تعرضت هذه الشابة لخطر سحب حق الإقامة منها وفقا لرامي صالح.
أما جديد الملاحقة والتتبع -وفق رصد مركز القدس- فهو استخدام محققي التأمين، الوسائل التكنولوجية الحديثة خلال ملاحقة المقدسيين على "مركز الحياة" حتى في الليل، ففي بعض الحالات يتصل المحققون بالمقدسيين من خلال تطبيق "واتساب" ويطلبون منهم فتح الكاميرا فورا، ليتأكدوا من موقعهم.
وفي إحدى الحالات، طلب المحقق من سيدة مسنة فتح الكاميرا خلال المحادثة، وبعد ذلك زارها ميدانيا، وادّعى أن الستائر التي رآها خلال مكالمة الفيديو غير مطابقة لتلك التي رآها على أرض الواقع، رغم أن السيدة أصرت على أنها كانت تجلس على ذات الأريكة في المرتين.
وفي حالة أخرى اتصل محقق التأمين الوطني بشاب كان يجلس في منزل شقيقه ببلدة العيزرية شرقي القدس والمصنفة ضمن مناطق الضفة الغربية، ولأنه كان يرتدي ملابس النوم في تمام الساعة العاشرة ليلا اعتبر المحقق أنه يسكن في الضفة الغربية وتم قطع مخصصات التأمين الوطني عنه وعن أفراد أسرته.
إعلان
وفي حال اتصل المحقق بشابة لا شاب على تطبيق "واتساب" فإنه يطلب منها إرسال موقعها فورا بدلا من فتح الكاميرا، وهو ما ترفضه كثير من النساء باعتباره اختراقا غير مقبول لخصوصيتهن.
وللأسف يقول صالح إن المقدسي يجد نفسه مضطرا ومجبرا للخضوع لهذه الزيارات غير المقبولة وللطلبات غير المبررة ودون الخوض بنقاشات، من أجل إثبات حقه في الإقامة بالقدس، أو تسجيل أطفاله في "سجل السكّان" بوزارة الداخلية الإسرائيلية.
ويضيف أن "المواطن المقدسي يدفع ضريبة نفسية كبيرة ليصمد داخل المدينة، ولا يوجد أقسى من أن يسمح بدخول شخص غريب إلى غرفة نومه وزوجته ليثبت أمامه أنه يقيم في القدس".
تشكيك في النَّسَبولا تُشكك الدوائر الرسمية الإسرائيلية بمكان إقامة المقدسيين فحسب، بل بنَسَبِ أبنائهم، إذ ارتفع بشكل كبير عدد الملفات التي تطلب فيها وزارة الداخلية الإسرائيلية إجراء فحص الحمض النووي (DNA) لإثبات أمومة وأبوّة الأم والأب لأبنائهم.
وقبل اندلاع حرب غزة كان هذا الإجراء يُطلب في حالات قليلة ممن يريدون تسجيل أبنائهم في سجل السكان، ويُطلب عادة من الأزواج المختلطة أو في حال تعدد الزوجات، أو في حال تزوجت المرأة أكثر من مرة.
ووصف صالح هذا الإجراء بـ"المُستحدث والمزعج جدّا" خاصة أنه يطُلب في بعض الحالات من زوجين مقدسيين تأخرا في تسجيل مولودهما في سجلات وزارة الداخلية، لكن تجد العائلات نفسها مضطرة لإجراء هذا الفحص ولا يسعها الاعتراض عليه من أجل تثبيت مواليدها في القدس ومنحهم حق الإقامة في هذه المدينة المحتلة.
تتبع حركة التنقلبدوره يقول المحامي في مركز العمل المجتمعي محمد شهابي للجزيرة نت إن الداخلية الإسرائيلية شددت كثيرا على المقدسيين في قضايا تسجيل الأطفال بعد اندلاع الحرب، وطلبت إجراء هذا الفحص المكلف من مئات العائلات.
وأضاف أن الفحص بات يشكل عبئا نفسيا وماديا على الأُسر المقدسية التي لا تدفع تكلفته فحسب، بل تكاليف المحامين والمحاكم أيضا، مشيرا إلى "تعقيد الكثير من المعاملات بعد اندلاع الحرب، حتى إن بعض المقدسيين أصبح من الصعب عليهم تجديد هوياتهم الشخصية بوزارة الداخلية".
وطلبت الداخلية الإسرائيلية من الكثيرين إبراز بطاقة المواصلات العامة المعروفة بـ"راف كاف" من أجل رصد تحركاتهم وخطوط المواصلات التي يستخدمونها، وهل تقتصر على أحياء القدس أم يصل أصحاب البطاقات يوميا إلى خارجها من خلال شركة "السفريات الموحدة" التي تصل إلى مدينتي بيت لحم ورام الله في الضفة الغربية.
إقرأ المزيد


