بصمة الحرب.. كيف وصل اليورانيوم إلى أطفال العراق؟
الجزيرة.نت -

Published On 5/2/2026

|

آخر تحديث: 10:10 (توقيت مكة)

شارِكْ

ما إن تنتهي الحروب، وتصمت أصوات المدافع، تبدأ معاناة من نوع آخر، وهي البصمة البيئية للنشاط العسكري، والتي تظهر ليس فقط بين السكان الذين حضروا الحرب، لكنها قد تورث للأجيال القادمة، وهذا ما كشفت عنه دراسة عراقية حديثة، تناولت خطر انتقال تلوث اليورانيوم من الحوامل إلى الأجنة في بطونهن.

وشهد العراق استخداما متكررا لليورانيوم المنضب خلال الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، والمعارك العنيفة لاحقا في مدن مثل الأنبار والفلوجة، وفي تلك البيئات المتضررة من الحروب يمكن أن يتعرض الإنسان لهذه المادة عبر استنشاق الغبار الملوث، وتناول مياه أو غذاء ملوثين، أو ملامسة مواد ملوثة.

وربطت دراسات سابقة حظي بعضها بتغطية الجزيرة نت، بين التلوث باليورانيوم في المناطق التي شهدت نشاطا عسكريا مكثفا، وبين تراكم هذا العنصر في دماء سكان هذه المناطق، وكذلك زيادة معدلات التشوهات الخلقية والإصابة بالسرطان، لكن الدراسة الجديدة المنشورة بدورية "رادييشن فيزيكس أند كيمستري" (Radiation Physics and Chemistry)، هي الأولى من نوعها التي رصدت وصول التلوث بهذا العنصر إلى مشيمة الأمهات.

كيف رصد الباحثون اليورانيوم في المشيمة؟

وتحظى مثل هذه النوعية من الدراسات التي يكون موضوعها الحوامل بإجراءات خاصة تحول دون إجرائها بشكل مباشر أثناء فترة الحمل، خشية حدوث تأثيرات سلبية تطال الجنين، لذلك فإن هذه الدراسة التي قام بها باحثان من جامعة بغداد، بالتعاون مع باحث من جامعة العلوم الماليزية، وجدت ضالتها في المشيمة، حيث تم جمع 60 عينة منها بعد الولادة، شملت 30 من مناطق عالية الخطورة في الأنبار، وهي مناطق يُشتبه بتلوثها باليورانيوم المنضب، و30 من بغداد كمجموعة مقارنة، وتم قياس تركيز اليورانيوم باستخدام تقنية نووية دقيقة تعرف بـ "كاشف المسارات النووية في الحالة الصلبة" سي آر-39 (CR-39).

إعلان

وتعتمد هذه التقنية على مبدأ بسيط، وهو أنه "حين تنبعث جسيمات ألفا الموجودة باليورانيوم من مادة ملوثة، فإنها تترك خلفها آثارا مجهرية دقيقة داخل مادة صلبة حساسة، تعرف باسم "كاشف المسارات"، والكاشف الذي استخدمه الباحثون في هذه الدراسة، هو مادة بلاستيكية شفافة تعرف بـ "سي آر-39″، وهي من أكثر المواد استخداما عالميا في هذا المجال، نظرا لحساسيتها العالية لجسيمات ألفا.

وتبدأ خطوات الكشف بتجفيف عينة المشيمة، ثم يوضع كاشف "سي آر-39″، ملاصقا لها أو قريبا منها، فإذا كانت العينة تحتوي على اليورانيوم، فإن جسيمات ألفا المنبعثة منه تخترق الكاشف وتترك مسارات غير مرئية، ثم يُغمر الكاشف في محلول كيميائي مثل "هيدروكسيد الصوديوم" أو ما يعرف بـ "الصودا الكاوية" لتوسيع المسارات المجهرية، ثم تُعد هذه المسارات باستخدام مجهر ضوئي أو إلكتروني، وتُحول كثافة المسارات رياضيا إلى تركيز اليورانيوم في العينة.

في تلك البيئات المتضررة من الحروب يمكن أن يتعرض الإنسان لهذه المادة عبر استنشاق الغبار الملوث، وتناول مياه أو غذاء ملوثين، أو ملامسة مواد ملوثة (رويترز)
ماذا وجد الباحثون؟

وباستخدام هذه الطريقة، وجد الباحثون أن تركيز اليورانيوم في المشيمة كان أعلى بشكل ملحوظ لدى النساء بالمناطق عالية الخطورة في الأنبار بتركيز وصل إلى 2.23 ميكروغرام/كغ، مقابل 1.21 ميكروغرام/كغ.

وانتقل الباحثون بعد ذلك إلى مرحلة ثانية، وهي محاولة الربط بين تلك النتائج والمشاكل الآنية والسابقة التي عانت منها الأمهات، فوجدوا علاقة بين الحالات التي عانت من زيادة تركيز اليورانيوم في المشيمة وزيادة خطر الولادة المبكرة، وهو ما يمكن تفسيره بأن اليورانيوم يتسبب في إجهاد كيميائي وإشعاعي على خلايا المشيمة، مما قلل من كفاءتها في دعم نمو الجنين، وكانت النتيجة إنجاب الطفل قبل الأوان -أي قبل اكتمال 37 أسبوعا من الحمل- وهذا يرتبط بمضاعفات للأطفال حديثي الولادة، مثل مشاكل التنفس أو تأخر النمو.

كما وجد الباحثون ارتباطا إيجابيا بين تركيز اليورانيوم في المشيمة وعدد الأطفال الذين توفوا سابقا لدى الأم، وهو ما يعني أن الأمهات اللواتي تعرضن لمستويات أعلى من اليورانيوم في حملهن الحالي، غالبا ما واجهن مشاكل ولادة أو وفاة أطفال سابقين.

تعرض حديث أم قديم؟

وبقي سؤال مهم عن كيفية وصول اليورانيوم إلى مشيمة الأمهات، وهل كان ذلك مرتبطا بتعرض حديث لليورانيوم أم تعرض قديم ظهرت آثاره حديثا؟

ويجيب على هذا السؤال للجزيرة نت الدكتور آرون سبيشت، الأستاذ بكلية العلوم الصحية والإنسانية بجامعة بيردو الأمريكية، والذي كان مشاركا في دراسة سابقة نجحت في رصد مستويات اليورانيوم في عظام العراقيين بتوظيف تقنية ثورية تستخدم لأول مرة في الدراسات البشرية وهي "جهاز التحليل الفلوري بالأشعة السينية".

ويقول آرون إن "وجود اليورانيوم في المشيمة يشير إلى أن المادة، إما دخلت الجسم حديثا من البيئة، أو أعيد توزيعها من مخازن داخلية قديمة (العظام)".

ويوضح أن العظام تعد مخزنا طويل الأمد للعناصر الثقيلة مثل اليورانيوم، وخلال الحمل يحدث إعادة تشكيل نشطة للعظام لتلبية احتياجات الجنين من الكالسيوم والمعادن، وهذه العملية قد تؤدي إلى تحرير اليورانيوم المخزن في العظام إلى الدورة الدموية، وهو ما يفسر العثور عليه في أنسجة المشيمة.

إعلان

ويرجح أن خيار الانتقال من مخزن العظام قد يكون هو الأرجح، لاسيما أن الدراسة كشفت أن الأمهات اللواتي تعرضن لمستويات أعلى من اليورانيوم، واجهن مشاكل في الماضي تمثلت في وفيات الأطفال، وهو ما يعني أنهن عانين من تعرض قديم تسبب في تخزين اليورانيوم في العظام، وإطلاقه أثناء الحمل.

وبالرغم من أن المشيمة تعمل كحاجز جزئي ضد بعض السموم، إلا أنها ليست حاجزا محكما ضد المعادن الثقيلة، ومن ثم فإنه إذا تم قياس اليورانيوم بها، فمن المرجح أن الجنين يتعرض له بدرجة ما، حتى لو كانت أقل من تركيزات الأم، كما يؤكد سبيشت.

وعن أسباب اختيار المشيمة لدراسة تعرض الحوامل لليورانيوم، وليس الدم أو العظام، يقول آرون "لا توجد أداة واحدة مثالية، بل لكل نسيج دور مختلف حسب السؤال البحثي".

وأضاف: "المشيمة تُستخدم بكثرة في البحوث للدراسات التي تستهدف النساء الحوامل، لأنها متاحة بعد الولادة ولا تسبب ضررا للأم أو الجنين، بينما الدم مناسب لدراسة التعرض قصير المدى للعنصر الملوث، والعظام هي الأفضل لتقييم التعرض التراكمي المزمن".



إقرأ المزيد