"كابُل الجديدة".. مشروع الحكومة الأفغانية لمحاربة فوضى المدينة
الجزيرة.نت -

كابل- تُعدّ كابُل إحدى أقدم المدن المأهولة في آسيا الوسطى، إذ تشير المصادر التاريخية إلى أن جذورها تعود لأكثر من 2000 عام، ومرّت عليها حضارات كوشانية وساسانية، قبل أن تصبح مركزا مهما في الفترات الإسلامية.

غير أن التحوُّل المفصلي في تاريخها السياسي جاء عام 1776، حين قرّر تيمور شاه دراني ابن مؤسس أفغانستان الحديثة أحمد شاه دراني، نقل عاصمة الدولة الأفغانية من قندهار إلى كابُل، لتميُّزها بموقع إستراتيجي يربط بين طرق التجارة، ويتيح سيطرة إدارية وعسكرية أفضل.

منذ ذلك الحين، ظلت كابل رمز الدولة الأفغانية، وواجهة السلطة، ومرآة الصراعات التي شهدتها أفغانستان. ومع كل تحوُّل سياسي، كانت المدينة تدفع ثمنا عمرانيا واجتماعيا، إلى أن أصبحت خلال العقود الأربعة الأخيرة من أكثر العواصم ازدحاما وفوضوية في المنطقة.

ضبط الفوضى

واليوم، يعيش في كابُل أكثر من 7 ملايين نسمة، مع أن بنيتها التحتية لم تُصمَّم أصلا لاستيعاب أكثر من مليوني شخص، وهذا التضخُّم السكاني نتج عن موجات متتالية من النزوح وعودة اللاجئين من باكستان وإيران، إضافة إلى تمركز السلطة والوظائف في العاصمة.

وقال خبير التخطيط الحضري عبد الرؤوف صديقي للجزيرة نت "كابل لم تنهَر بسبب الحرب فقط، وإنما لغياب التخطيط الطويل الأمد، فالمدينة نمت أفقيا بشكل عشوائي، دون شبكات نقل أو مياه أو صرف صحي كافية، ونشهد يوميا اختناقات مرورية، وتلوثا هوائيا ومائيا، ونقصا حادا في مياه الشرب، وسرقة الأراضي العامة والمساحات الخضراء".

وأضاف "المدينة الحالية هي عنوان للفوضى بكل ما تعني هذه الكلمة وهي لا تطيق كل هذا الثقل السكاني، والحكومة السابقة أفرطت في بنائها وتوسعها".

وفي خضم هذا الواقع، عادت إلى الواجهة الخطة الرئيسية لمدينة كابل الجديدة، باعتبارها مشروعا إستراتيجيا يهدف لإعادة تنظيم مستقبل العاصمة، وتقوم الفكرة على إنشاء مدينة مكمّلة، لا بديلة، لكابل الحالية، تمتد خصوصا في مناطق شمال وشرق العاصمة.

وتشمل الخطة:

  • شبكة طرق حديثة، يتصدرها طريق كابل باغرام بطول 43 كيلومترا وعرض 150 مترا.
  • فصل الاستخدامات السكنية والتجارية والإدارية.
  • مساحات خضراء واسعة.
  • إدارة مستدامة للموارد المائية.
  • بنية نقل حضري متدرجة وقابلة للتوسُّع.

إعلان

ويرى مخططون أن هذه الرؤية، إذا نُفذت، قد تُعيد الانضباط العمراني للعاصمة، وتوقف التمدد العشوائي الذي التهم أطرافها.

عودة اللاجئين الأفغان من إيران وباكستان فاقمت المشكلة السكنية في كابل (الجزيرة)
معضلة الفساد

وليست كابل الجديدة فكرة وليدة اليوم، بل تعود جذورها إلى عهد الرئيس الأفغاني الأسبق محمد داود خان في سبعينيات القرن الماضي، حين سعت الدولة الأفغانية إلى تحديث مؤسساتها، غير أن الانقلابات والحروب حالت دون التنفيذ.

وفي 2007، أُعيد إحياء المشروع، وجرى تطويره بمشاركة خبراء أفغان وأوروبيين، قبل أن تتولى الوكالة اليابانية للتعاون الدولي (جايكا) إعداد الصيغة النهائية للخطة، باعتبارها قابلة للتنفيذ اجتماعيا واقتصاديا.

لكن الخطة بقيت حبيسة الأدراج، ويعزو الباحث في الشؤون الحضرية، فريد نعيمي، ذلك إلى "تحالف غير معلن بين الفساد والسلطة".

وأضاف للجزيرة نت "تنفيذ الخطة كان يعني إزالة آلاف المباني غير القانونية، وهو ما هدّد مصالح نافذين وشبكات استيلاء على الأراضي، وبعض أمراء الحرب عارضوا الفكرة من أساسها، ولم تتمكن الحكومة الأفغانية السابقة من تنفيذها، أو كأنها تخلّت عن تنفيذها".

والتحول اللافت جاء مع إعلان الحكومة الأفغانية الحالية المصادقة على المخطط الرئيسي، فقد وقّع ووافق زعيم حركة طالبان الشيخ هبة الله آخوند زادة على الخطة الهيكلية للمدينة الجديدة، وأعلنت وزارة التنمية العمرانية بدء العمل الميداني عبر 6 شركات خاصة، لبناء مدينة في مساحة 470 كيلومترا مربعا من الأراضي للاستثمار والبناء.

وقال المتحدث باسم الوزارة، محمد كمال أفغان للجزيرة نت "المركزية الحالية في اتخاذ القرار تمنع التدخلات التي عطّلت المشروع سابقا"، مؤكدا أن الحكومة "ماضية في التنفيذ، وأن المدينة الجديدة ستوفر منازل وشققا سكنية لثلاثة ملايين شخص، وهذا يخفف الضغط على المدينة الحالية".

جانب من خريطة هيكلية للمباني السكنية والشقق في المدينة الجديدة (قسم الإعلام في وزارة التنمية العمرانية)
تشكيك واختبار

غير أن هذا التفاؤل لا يخلو من تشكيك، إذ يرى مراقبون أن غياب الشفافية والمساءلة قد يُعيد إنتاج المشاكل نفسها، وإن بأدوات مختلفة.

ويطرح البعض سؤالا أكبر: هل تُمهّد كابُل الجديدة لبناء عاصمة إدارية منفصلة؟ وواقعيا، تبدو هذه الفكرة بعيدة المنال في ظل الوضع الراهن حيث تواجه الحكومة الحالية عدة مشاكل أهمها:

  • عزلة دولية.
  • عقوبات اقتصادية.
  • ضعف التمويل.
  • هشاشة القطاع المصرفي.

لكن الخبير الاقتصادي وحيد الله شيرزاد، رأى في حديثه للجزيرة نت أن "إنشاء مدينة منظمة، حتى دون نقل كامل للوظائف السيادية، قد يُخفف الضغط عن كابل الحالية، ويؤسس لتحول تدريجي في المدينة، حيث تحتاج أفغانستان سنويا 50 ألف منزل، ولديها من الأراضي ما يكفي لبناء مشاريع سكنية، وهذه العملية تحتاج إلى تنسيق بين الحكومة والقطاع الخاص".

من جهته، قال الخبير في شؤون التنمية والعمران جليل كريمي "الخطة الرئيسية لمدينة كابل الجديدة، تُمثّل اختبارا حقيقيا لقدرة السلطة الحالية على إدارة مشروع وطني طويل الأمد، ونجاحها لا يتوقف على الخرائط والتصاميم، بل على احترام حقوق السكان، ومنع الاستيلاء على الأراضي، والاستعانة بالخبراء، وتوفير حد أدنى من الشفافية".

إعلان

وأضاف كريمي للجزيرة نت "ما يميز طالبان في تنفيذ الخطط والقرارات أن لديها جدية وصرامة لم تكن موجودة في الحكومة السابقة".

فكابُل، المدينة التي صمدت قرونا أمام الغزاة والانقلابات، تقف اليوم أمام مفترق طرق إما أن تتحول إلى نموذج لإعادة البناء المنظم، أو أن تُضاف كابل الجديدة إلى سجل طويل من المشاريع المؤجلة في تاريخ أفغانستان الحديث.



إقرأ المزيد