قانون غريشام.. حين تطرد العملة الرديئة مثيلتها الجيدة
الجزيرة.نت -

Published On 29/1/2026

|

آخر تحديث: 09:30 (توقيت مكة)

شارِكْ

هو مبدأ نقدي في علم الاقتصاد يظهر عند وجود عملتين في السوق لهما القيمة الاسمية نفسها، لكنَّ قيمتيهما الحقيقيتين مختلفتان، حينها يميل الناس إلى إنفاق العملة الأقل قيمة والاحتفاظ بالعملة الأعلى. ومع مرور الوقت، تختفي العملة "الجيدة" من التداول، ولا يبقى في السوق إلا العملة "الرديئة".

في القرن الـ16، كانت إنجلترا المثال الأوضح للقانون، إذ اختفت العملات الجيدة من السوق، وهو ما دفع توماس غريشام إلى التنبيه لهذه الظاهرة.

من هو غريشام؟

السير توماس غريشام رجل دولة، وتاجر إنجليزي شهير في القرن السادس عشر الميلادي (1519-1579). وُلد في لندن لأسرة تجارية عريقة، وتلقى تعليما جيدا قبل دخوله عالم التجارة والمال.

عمل مستشارا اقتصاديا وماليا لدى ملوك إنجلترا في تلك الحقبة، ومن بينهم الملك إدوارد السادس ثم الملكة إليزابيث الأولى، وكان له دور مهم في تنظيم العملة والنظام النقدي في إنجلترا.

تاريخه

في العصور القديمة، حين كانت العملات تُسك من معادن ثمينة كالذهب والفضة، تصرَّف الأفراد بعقلية استثمارية، فقد احتفظوا بالعملات الأعلى قيمة معدنية، واستخدموا الأقل جودة في معاملاتهم اليومية. هذه الممارسة أصبحت لاحقا أساس ما عُرف اقتصاديا باسم "قانون غريشام".

بلغت هذه الظاهرة ذروتها في إنجلترا في منتصف القرن السادس عشر، عندما وجدت الدولة نفسها تحت ضغط مالي متزايد لتمويل الحروب والإنفاق الملكي. في هذا السياق، اتبع الملك هنري الثامن سياسة تقليل محتوى الفضة في العملات واستبدال معادن أرخص بجزء منها، مما أدى إلى اختلال فعلي بين القيمة الاسمية للنقود وقيمتها الحقيقية.
وكانت النتيجة أن العملات الفضية القديمة الأعلى جودة اختفت من السوق، وسيطرت العملات الجديدة الأقل قيمة على التداول اليومي.

في عام 1558، لفت السير توماس غريشام انتباه البلاط الملكي إلى هذه المفارقة النقدية، موضحا للملكة إليزابيث أن النقود الرديئة عندما تُفرض بقيمة اسمية مساوية للجيدة، تؤدي عمليا إلى طرد الأخيرة من التداول. فالعملات الجيدة تُدَّخر أو تُصدَّر للخارج، أما الرديئة فتبقى في التداول اليومي.

أول ظهور لمصطلح قانون غريشام عام 1858 (الفرنسية)
تسميته

كان أول ظهور لاسم "قانون غريشام" عام 1858، حين أطلق عليه الاقتصادي الإسكتلندي هنري دانينج ماكلويد هذا الاسم في كتابه "عناصر الاقتصاد السياسي" نسبة إلى غريشام، لأن ملاحظاته التي كتبها في رسالته إلى الملكة إليزابيث الأولى أثّرت في الفهم التاريخي والاقتصادي لهذا السلوك، ثم أصبح الاسم مرتبطا به لاحقا.

تأثيره في الاقتصاد

يؤدي قانون غريشام إلى اختفاء العملة ذات القيمة الحقيقية الأعلى من التداول، مقابل انتشار العملة الأقل جودة، وهو ما ينعكس سلبا على جودة النقد والقوة الشرائية. هذا السلوك يُضعف الثقة بالنظام النقدي، إذ إن احتفاظ الأفراد بالعملة الجيدة يشير إلى شكوك في السياسة النقدية الرسمية، ويخلق حالة من القلق لدى المتعاملين والمستثمرين.

إعلان

ومع سيطرة العملة المنخفضة القيمة على السوق، يزداد المعروض النقدي غير المرتبط بالقيمة الحقيقية للاقتصاد، وهو ما قد يسرّع تآكل القوة الشرائية ويؤدي إلى انخفاض فعلي في قيمة العملة.
ولم يعد تطبيق قانون غريشام مقتصرا على النقود، بل يُستخدم أيضا لفهم ظواهر اقتصادية معاصرة، وتطغى السلع أو الخيارات الأقل جودة عندما تُعرض بالسعر نفسه ولا يستطيع المستهلك التمييز بينها.

ويشكّل هذا القانون تحديا مباشرا لصانعي السياسات النقدية، إذ إن فرض قيمة اسمية موحَّدة لأدوات تختلف في قيمتها الحقيقية ينتهي غالبا بإقصاء الأفضل من التداول.

الولايات المتحدة جعلت الدولار يُسك من الذهب والفضة في القرن الـ19 (شترستوك)
تاريخه في الوطن العربي

عرف التراث الاقتصادي العربي-الإسلامي مبكرا فكرة قريبة من قانون غريشام، وإن لم تُصَغ حينئذ بوصفها قانونا مستقلا. فقد وصف المقريزي كيف يؤدي تعدد النقود واختلاف قيمها المعدنية إلى اختفاء العملة الأعلى قيمة من التداول، نتيجة احتفاظ الناس بها واستخدامهم العملة الأقل جودة في المعاملات اليومية.

كما شدَّد ابن تيمية في فتاواه على ضرورة صون قيمة النقود ومنع إفسادها، محذرا من سياسات نقدية تدفع إلى طرد العملة الجيدة من السوق وتُضعف كفاءة النظام النقدي. ويعكس هذا وعيا مبكرا بسلوك المتعاملين وحوافزهم الاقتصادية.

وفي العصر الإسلامي الأول، ومع تداول العملات البيزنطية والفارسية ثم سك الدينار والدرهم الإسلاميين العاليي النقاء، كان مفهوم التمييز بين النقود الجيدة والرديئة حاضرا عمليا. لذلك يمكن القول إن جوهر قانون غريشام كان معروفا ومفهوما في الفكر الاقتصادي العربي قبل ظهوره باسمه في أوروبا، بوصفه قراءة واقعية لسلوك الناس مع تعدد العملات واختلاف قيمها.

أمثلة تطبيقية لمختلف الدول

تكررت آثار ما يُعرف بقانون غريشام في تجارب تاريخية متعددة. ففي فرنسا قبل الثورة، أدى إصدار عملات فضية متفاوتة النقاء بقيمة قانونية واحدة إلى اكتناز العملات الأعلى جودة أو تصديرها، وهو ما أسهم في اضطراب النظام النقدي.
وفي الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر، تسبب اختلاف السعر القانوني بين الذهب والفضة في اختفاء المعدن الأعلى قيمة من التداول، وهو ما دفع لاحقا إلى اعتماد المعيار الذهبي ثم الانتقال إلى النظام الورقي.

المقريزي وصف في كتاباته كيفية تعدد أنواع النقود في السوق (الجزيرة)

أما اليابان في القرن الـ19، فقد واجهت المشكلة نفسها عند تداخل العملات القديمة العالية القيمة مع عملات جديدة أقل جودة، مما سرَّع قرار توحيد النظام النقدي.
وفي ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى (1914-1918) ومع التضخم الجامح، خرجت النقود "الجيدة" من التداول لمصلحة الذهب والعملات الأجنبية، وهو ما يبيّن أن القانون يعمل حتى دون معادن حين تصبح الثقة هي معيار القيمة.

وتكررت أنماط مشابهة في أزمات حديثة، مثل العراق في التسعينيات وسوريا وليبيا لاحقا، فقد فقدت العملات المعدنية قيمتها الفعلية، فتم إخراجها من التداول أو استخدامها معدنا، في حين اتجه الناس إلى الأوراق النقدية الأحدث أو العملات الأجنبية.

إعلان

في فنزويلا، أدى التضخم الحاد إلى فقدان البوليفار (عملة فنزويلا) قيمته، فاستُخدم للإنفاق الفوري فقط، واحتُفظ بالدولار والذهب مخزنا آمنا للقيمة.

ما يشير القانون إليه في العصر الحديث

في العصر الحديث، يعبّر قانون غريشام عن سلوك منطقي مع العملات الورقية، إذ يؤدي ضعف القيمة الحقيقية للنقود بسبب التضخم أو التوسع النقدي غير المدعوم إلى تفضيل الناس التخلص من العملة الضعيفة في التداول والاحتفاظ بما هو أكثر استقرارا، سواء أكانت عملة محلية أقدم أم عملات أجنبية قوية مثل الدولار أو اليورو، كما يظهر في أزمات مالية بدول عربية عدة.



إقرأ المزيد