أناقة مؤلمة.. كيف تخدعنا الملابس وتؤذي العمود الفقري دون أن نشعر؟
الجزيرة.نت -

Published On 29/1/2026

|

آخر تحديث: 07:00 (توقيت مكة)

شارِكْ

لم تعد آلام الظهر والرقبة حكرا على كبار السن أو أصحاب المهن الشاقة، بل باتت شكوى شائعة بين فئات عمرية شابة. وبينما يرجع كثيرون هذه الآلام إلى الجلوس الطويل أو قلة الحركة، يغيب عن النقاش عامل يومي ملازم للجسد وهو الملابس والإكسسوارات. فهل يمكن لما نرتديه بدافع الأناقة أو العادة أن يتحول إلى عبء على العمود الفقري؟

يرى أطباء مختصون في اضطرابات الجهاز العضلي الهيكلي أن وضعية الجسم لا تتأثر فقط بطريقة الجلوس أو النوم، بل كذلك بما يلبس لساعات طويلة يوميا.

وتشير مايو كلينك (Mayo Clinic)، إحدى أبرز المؤسسات الطبية الأكاديمية في الولايات المتحدة، إلى أن الإجهاد العضلي ووضعيات الجسم غير الطبيعية تعد من الأسباب الشائعة لآلام الظهر المزمنة، حتى لدى من لا يعانون أمراضا هيكلية واضحة.

وبحسب أطباء العظام والعمود الفقري في مايو كلينك، فإن الملابس الضيقة جدا تقيد حركة المفاصل والعضلات، ما يدفع الجسم إلى اعتماد وضعيات تعويضية غير مريحة، وتؤكد أن الأقمشة الثقيلة أو غير المرنة تزيد من الضغط على الكتفين وأسفل الظهر، خاصة أثناء المشي أو الحركة لفترات طويلة.

حمل الحقائب الثقيلة غير المتوازن يؤثر في الجهاز العضلي الهيكلي (فريبيك)
الحقائب الثقيلة

من أكثر الممارسات شيوعا في الحياة الحضرية حمل الحقائب الثقيلة، سواء كانت حقائب يد كبيرة أم حقائب عمل، وغالبا على كتف واحدة.

وقال الدكتور مونتر ساباريني جراح الأعصاب لدى عيادة ابن سينا في برلين، إن الحمل غير المتوازن، يجبر الجزء العلوي من الجسم على الميلان لاشعوريا، ما يؤدي إلى انحناء الكتفين وفقدان العمود الفقري استقامته الطبيعية.

وتدعم ذلك دراسات علمية منشورة في المكتبة الوطنية الأمريكية للطب (National Library of Medicine – NIH)، من بينها مراجعة بحثية تناولت تأثير أوزان الحقائب على الجهاز العضلي الهيكلي، وأظهرت أن الحمل الذي يتجاوز 10 إلى 15% من وزن الجسم يرتبط بزيادة آلام الظهر واختلال التوازن العضلي.

إعلان

وأشارت الدراسة، التي اعتمدت على تحليل نتائج أبحاث متعددة، إلى أن هذا التأثير رصد بوضوح لدى الأطفال واليافعين، لكنه لا يقل خطورة على البالغين، خصوصا عند حمل الوزن على جانب واحد من الجسم بشكل متكرر.

الملابس الضيقة بمعايير جمالية رائجة إلا أن الخبراء يشيرون إلى آثارها السلبية (فري بيك)
الملابس الضيقة

رغم ارتباط الملابس الضيقة بمعايير جمالية رائجة، فإن خبراء الصحة يشيرون إلى آثارها السلبية على المدى المتوسط والبعيد. فالملابس التي تضغط على منطقة الحوض أو الخصر قد تقيد حركة العضلات الأساسية الداعمة للعمود الفقري، وتؤثر في نمط المشي والجلوس. ولتجنب ذلك، يشير الدكتور مونتر ساباريني أنه ينبغي ارتداء ملابس فضفاضة من أجل الحصول على الحرية بالحركة.

ويشير موقع ويب إم دي (WebMD) الطبي، الذي تراجع مواده من قبل أطباء معتمدين في مجالات العظام وإدارة الألم، إلى أن تقييد الحركة الطبيعية للجسم -حتى وإن بدا بسيطا- قد يسهم مع الوقت في إجهاد العضلات العميقة المسؤولة عن تثبيت العمود الفقري، ما يزيد احتمالية تطور آلام مزمنة في أسفل الظهر والرقبة.

الأحذية

لا تقل الأحذية تأثيرا عن الملابس في تشكيل وضعية الجسم. فبحسب تقارير طبية أوردها موقع سباين هيلث (Spine-Health) المتخصص في صحة العمود الفقري، فإن الأحذية ذات الكعب العالي تغير مركز ثقل الجسم، وتدفع الحوض إلى الأمام، ما يؤدي إلى زيادة التقوس القطني في أسفل الظهر.

وفي المقابل، فإن الأحذية المسطحة جدا، التي تفتقر إلى التبطين والدعم الكافي، تنقل الصدمات الناتجة عن المشي مباشرة إلى العمود الفقري، خاصة على الأسطح الصلبة.

الأحذية ذات الكعب العالي تغير مركز ثقل الجسم وتدفع الحوض إلى الأمام (فري بيك)

ويؤكد أطباء العمود الفقري الذين يكتبون في سباين هيلث أن الأحذية الرياضية ذات النعال المرنة والتبطين الجيد تساعد في امتصاص الصدمات وتعزيز الحركة الطبيعية للقدم، ما يخفف العبء عن الفقرات، وينصح بتنويع الأحذية وعدم الاعتماد على نوع واحد يوميا، لتجنب تكيف الجسم مع نمط ضغط واحد قد يخل بتوازنه العضلي.

الوعي الصحي

في زمن الموضة السريعة، تفرض اتجاهات اللباس بوتيرة متسارعة ويصبح الجسد في كثير من الأحيان آخر ما يؤخذ بعين الاعتبار، يؤكد خبراء الصحة أن اختيار الملابس والأحذية يجب أن يكون قرارا صحيا بقدر ما هو جمالي، فالجسد ليس منصة عرض، والعمود الفقري ليس عنصرا ثانويا في معادلة الأناقة.

وبينما لا يدعو الأطباء إلى التخلي عن الذوق أو التعبير الشخصي، فإنهم يشددون على أهمية الموازنة بين المظهر والراحة لأن الألم حين يظهر غالبا ما يكون نتيجة تراكمات يومية صامتة، تبدأ من الخزانة.



إقرأ المزيد