الجزيرة.نت - 1/29/2026 3:04:29 AM - GMT (+3 )
أخذت الخلافات الأمريكية- الأوروبية منذ مطلع 2026 طابعا أكثر حدة وعلنية، ليس فقط بسبب التباينات التقليدية حول التجارة والإنفاق الدفاعي والحرب الروسية الأوكرانية، بل بسبب ما تحول إلى "اختبار سيادة" مباشر داخل الفضاء الأطلسي.
فرغبة الرئيس دونالد ترمب في ضم جزيرة غرينلاند التابعة لمملكة الدانمارك، وربط ذلك بأدوات ضغط اقتصادية (تهديدات- تعريفات-رسوم)، وبسردية أمنية تقول إن واشنطن وحدها القادرة على تأمين الجزيرة في مواجهة الصين وروسيا، شكل ذلك هزة غير مسبوقة في أركان حلف شمال الأطلسي.
ففي لحظة كهذه، لم تعد أوروبا أمام خلاف سياسي يمكن امتصاصه بالتصريحات، بل أمام سؤال مؤسسي: هل يبقى التحالف الأطلسي منظومة تقوم على احترام سيادة الحلفاء أم يتحول إلى علاقة قوة- تابع، تفرض فيها الإملاءات تحت عناوين الأمن والردع؟
لهذا اندفع نقد أوروبي واسع في دافوس وخارجها، ترافق مع تلويح بردود أوروبية موحدة وأيضا بتعزيز الوجود/الاستثمار الأوروبي في غرينلاند، ومقاربة أمنية قطبية جديدة.
السيادة والاقتصاد والأمن في قلب الخلافاتفي قلب هذه الحمى النقدية تقف ثلاثة مستويات من الخلاف:
- مستوى السيادة والقانون.
- مستوى الاقتصاد- الإكراه.
- ومستوى الأمن داخل الناتو.
على مستوى السيادة، كان الرد الأوروبي والدانماركي تحديدا، أقرب إلى خط أحمر لا يحتمل المواربة: وحدة أراضي الدانمارك وغرينلاند غير قابلة للتفاوض، وأن مصير غرينلاند يحدده أهلها ضمن الإطار الدستوري القائم.
وقد عبر مسؤولون أوروبيون وقيادات في غرينلاند عن رفض المقايضة بالسيادة مقابل ترتيبات أمنية، فيما شددت بروكسل على عدم قابلية سيادة الدانمارك وغرينلاند للمساومة.
هذا البعد لا يتعلق بغرينلاند وحدها، بل بمنطق دولي حساس، فإذا جاز لزعيم دولة كبرى أن يطرح ضما أو سيطرة قسرية على إقليم تابع لدولة حليفة، فإنه يعطل القانون الدولي، ويفتح الباب لتآكل معيار طالما قدمت أوروبا وأمريكا نفسيهما كحاميتين له، وهو احترام الحدود، وعدم الإكراه في العلاقات بين الدول.
إعلان
أما المستوى الاقتصادي- الإكراهي، فقد جعل الأزمة أشبه بمواجهة أدوات لا مواجهة خطابات. فترمب هدد بفرض موجة تعريفات (ابتداء من أول شباط/فبراير 2026)، على دول أوروبية إلى أن يُسمح للولايات المتحدة بشراء غرينلاند، وهو ما أثار انتقادات أوروبية؛ لكونه يخلط بين التجارة والسيادة ويحول التعريفات إلى وسيلة ابتزاز سياسي.
هنا تحديدا ارتفعت حرارة الانتقادات: لأن أوروبا جربت سابقا حروب الرسوم، وتعلم أن التلويح بالتعريفات يترجم فورا إلى اضطراب أسواق واستثمارات، وتوتر سياسي داخلي، كما يدفع الاتحاد الأوروبي إلى التفكير بأدوات ردع مضادة، مثل أداة مكافحة الإكراه التي تسمح نظريا بردود تتجاوز الرسوم إلى إجراءات تمس الخدمات والاستثمار والمشتريات العامة.
فإذا كانت واشنطن مستعدة وعازمة على استخدام الاقتصاد لإخضاع حليف تاريخي، فالأمن الاقتصادي يصبح بنظر الأوروبيين جزءا من الأمن القومي الأوروبي.
المستوى الثالث هو الأكثر خطورة على التحالف: الأمن والناتو. فغرينلاند ليست جزيرة هامشية في الإستراتيجية الأمريكية؛ هي موقع محوري في منظومة الإنذار المبكر والدفاع الصاروخي الأمريكية في شمال الأطلسي، وتضم وجودا أمريكيا قائما منذ عقود وفق ترتيبات دفاعية مع الدانمارك.
والمشكلة أن خطاب "الضم/السيطرة" يحول قضية يمكن حلها بتحديث اتفاق دفاعي إلى أزمة ثقة داخل الناتو. فكيف تطالب واشنطن الحلفاء بزيادة الإنفاق والتماسك ضد روسيا، بينما تشعرهم في الوقت نفسه أن سيادتهم قابلة للمساومة؟.
مارك كارني: النظام الدولي القائم على القواعد انتهىمن هنا يمكن فهم لماذا تحول منتدى دافوس إلى منصة انتقاد مركزة لتوجهات ترمب. ولعل أبرزها تلك التي جاءت على لسان رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في سياق أزمة غرينلاند.
فالنقد لم يكن ملاسنة دبلوماسية عابرة، بل جاء بصياغة تقدم نفسها كتشخيص لنهاية حقبة، نهاية افتراض أن الغرب يعمل تلقائيا ضمن نظام دولي قائم على القواعد، وأن التحالفات التقليدية كافية لضمان الأمن والازدهار.
ففي خطابه بمنتدى دافوس (20 يناير/كانون الثاني 2026)، استخدم كارني لغة قوية عن صدع وانقطاع في النظام الدولي، وأن الشراكات الاقتصادية تمر بتمزق لا انتقال، وأن عصر الاعتماد على مؤسسات مثل منظمة التجارة العالمية والأمم المتحدة كإطار ضابط يتآكل، وأن "النظام القائم على القواعد انتهى"، داعيا ما سماه القوى المتوسطة إلى العمل جماعيا؛ لأن من "لا يجلس على الطاولة، سيكون على القائمة".
فالأبعاد السياسية لمرافعة كارني، لم تقف عند إثارة الملفات الخلافية والتباينات وإنما ألقت بصخرة كبيرة على رؤوس القادة والزعماء المجتمعين في "دافوس".
فمارك كارني عارض بوضوح استخدام التعريفات الأمريكية المرتبطة بطموح ضم غرينلاند، وساند سيادة الدانمارك على الجزيرة، وتحدث عن أن أمن القطب الشمالي يجب أن يدار بالدبلوماسية والتعاون لا بالإكراه، في إشارة إلى أن فرض الرسوم أو التهديد بها في ملف سيادي ينسف روح التحالف.
وهذا معناه أن فكرة نهاية النظام الدولي الحالي في خطاب كارني هي استنتاج عملي من سلوكيات يراها تتسع: تسليح التجارة، وتسييس سلاسل الإمداد، وإعادة تعريف الأمن باعتباره صفقة.
إعلان
لذلك شدد في خطابه على أن الجغرافيا والتحالفات القديمة لم تعد ضمانة كافية، وأن القوى المتوسطة يجب أن تبني شبكات تعاون واختيارات إستراتيجية تحمي سيادتها الاقتصادية والأمنية وتوقف الزحف المخيف: "القوي يفعل ما يستطيع والضعيف يتحمل ما يجب".
هل تمضي أوروبا نحو الاستقلال الإستراتيجي؟واللافت في حمى الانتقادات أنها لم تقتصر على مضمون غرينلاند، بل اتخذت غرينلاند رمزا لأسلوب حكم أوسع: سياسة الضغط الأقصى على الحلفاء، استخدام التجارة كسلاح سياسي، وإعادة تعريف الشراكات باعتبارها صفقات قصيرة الأجل.
وهذا ما يفسر أن الأزمة أطلقت نقاشا أوروبيا متسارعا حول تحصين الاستقلال في ملفات أخرى كأوكرانيا، الطاقة، سلاسل الإمداد، والقدرات الدفاعية.
فبحسب تحليل تشاتام هاوس المعهد الملكي للشؤون الدولية، أنه حتى في حال تراجع ترمب عن التصعيد، فإن ذلك لا يمنع اندفاع أوروبا نحو تسريع الاستقلال الإستراتيجي، ما دام الضرر وقع في مساحة الثقة.
فأوروبا اكتشفت أن تهديد السيادة يمكن أن يأتي من حليف أيضا، لا من خصم فقط. أما في الضفة الأخرى، فبرز جليا كيف راقبت روسيا التوتر بارتياح. فالانقسام الأطلسي بنظرها سيؤدي حتما إلى تشتيت التركيز وإلى إضعاف القدرة الغربية على إدارة الملفات الكبرى وعلى رأسها الحرب الروسية الأوكرانية.
كذلك، فتحت الأزمة أيضا نقاشا قانونيا حساسا حول مفهوم التهديد باستخدام القوة في القانون الدولي، ومعنى أن تلوح دولة، ولو ضمنيا، بخيارات قسرية ضد إقليم تابع لحليف.
بعض التحليلات القانونية الحديثة ربطت تصريحات مطلع يناير/كانون الثاني 2026 بنداءات دانماركية علنية لوقف التهديدات، وناقشت كيف يمكن للخطاب وحده، إذا كان مقترنا بوسائل ضغط، أن يقترب من منطقة رمادية في القانون الدولي تتجاوز مجرد رأي سياسي. وهنا تتضح دلالة أوروبية أكبر: أوروبا ليست فقط معنية بمنع ضم غرينلاند، بل بمنع تطبيع فكرة أن العلاقات بين الحلفاء تدار بمنطق التهديد والمقايضة.
على سبيل الختمعبارة "النظام الدولي القائم على القواعد" ليست شعارا واحدا، هي تركيب من ثلاث طبقات: (الأمم المتحدة، منظمة التجارة العالمية، الناتو…)، ومعايير سلوكية: (احترام السيادة، عدم تغيير الحدود بالقوة، تسوية النزاعات، قيود على الإكراه التجاري)، وسردية شرعية: (فكرة أن التزام القواعد يخلق منفعة عامة ويحد من الفوضى).
فنقد الطموحات التوسعية، يتعامل مع انهيار هذه الطبقات لا كحدث مفاجئ بل كنتيجة لتراكمات مفصلية، فعندما يبدأ القوي باستخدام أدوات التكامل نفسها كسلاح، تتحول العولمة من مكسب جماعي إلى نظام تبعية قابل للابتزاز.
ولكن ما يجب على كارني وكل الزعماء الأوروبيين الصدع به هو حماية قواعد القانون الدولي التي استبيحت نهارا جهارا، ومنع جريمة الإبادة الجماعية التي اقترفها كيان الاحتلال بدعم أمريكي ضد الشعب الفلسطيني. فالقانون لا يحمي الأقوياء ويسحق الضعفاء ولا يطبق في غرينلاند، ويختفي في غزة وعموم فلسطين.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
إقرأ المزيد


