الجزيرة.نت - 1/24/2026 10:46:02 PM - GMT (+3 )
Published On 24/1/2026
|آخر تحديث: 22:31 (توقيت مكة)
شارِكْ
يتحرك التاريخ في دوائر، ويأتي في المرة الأولى كدراما عادية، وفي الثانية يبدو مهزلة. ولكن ذلك التكرار لا يأتي كأحداث متطابقة، إنما كأنماط منطقية متكررة. وقد برزت سياسات حافة الهاوية النووية، والثقة المفرطة بالتكنولوجيا، والاعتقاد بإمكانية "إدارة" الكوارث منذ منتصف القرن العشرين. وتميزت السينما بقدرتها الفريدة على استشراف هذه الأنماط قبل تجسدها بالكامل.
ونادرا ما نجد فيلما يظهر هذه القدرة التنبؤية بوضوح أكبر من فيلم ستانلي كوبريك "دكتور سترينجلوف أو: كيف تعلمت التوقف عن القلق وأحببت القنبلة" عام 1964 (Dr. Strangelove or: How I Learned to Stop Worrying and Love the Bomb).
أنتج فيلم "دكتور سترينجلوف" أثناء الحرب الباردة، وفي ظل أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، واستقبل في البداية كعمل ساخر لاذع عن السياسة النووية. وبعد أكثر من 6 عقود، يبدو الفيلم تشخيصا دقيقا لكيفية فشل أنظمة القوة. لم تتكرر أحداث التاريخ، لكن لأن الكوارث الحديثة لا تكون ناجمة عن الجنون وحده، بقدر ما تنتج عن أنظمة عقلانية تعمل دون أي تصور أخلاقي.
يظل فيلم "دكتور سترينجلوف" عملا سينمائيا لا تزال خياراته الشكلية -البصرية والسردية والنغمية- مؤثرة للغاية لأنها تكشف هشاشة السيطرة الدائمة.
السينما والتنبؤلم يكن ستانلي كوبريك يؤمن بقدرة السينما على التنبؤ بأحداث محددة، لكنه كان يؤمن إيمانا راسخا بقدرتها على كشف الحقائق البنيوية. في مقابلة أجراها عام 1968 مع مجلة "كراسات السينما" (Cahiers du Cinéma) الفرنسية، قال إن المجتمعات الحديثة ابتكرت تقنيات "بالغة التعقيد لدرجة أن البشر الذين يتحكمون بها لم يعودوا يفهمون عواقبها فهما كاملا". من هذا القلق، ولد فيلم "دكتور سترينجلوف".
شارك في كتابة سيناريو الفيلم تيري ساذرن وبيتر جورج، واقتبس عن رواية للكاتب البريطاني بيتر جورج "الإنذار الأحمر". تخلى كوبريك عن الاقتباس المباشر أثناء العمل على السيناريو بعد أن اقتنع أن الواقعية عاجزة عن تجسيد العبثية الكامنة في المنطق النووي نفسه. وقال لاحقا: "كلما تعمقت في البحث في السياسة النووية، ازداد الأمر غرابة، حتى أصبحت السخرية هي الرد المنطقي الوحيد". يشير قرار كوبريك هذا إلى نية مبيتة للسخرية من الأنظمة التي تخلط بين الحكمة والإجراءات.
إعلان
اختار المخرج أن يكون عمله بالأبيض والأسود ليركز على التناظر، والمساحات المغلقة، والتسلسل الهرمي الصارم. وتجسد "غرفة الحرب" (War Room)، التي تعد أكثر مواقع التصوير شهرة في تاريخ السينما، التناقض الجوهري للفيلم الذي يتمثل في نظام بصري مطلق يخفي فوضى أخلاقية.
ويظهر تصميم الإنتاج لكين آدمز القوة كشكل هندسي، إذ توحي الطاولة الدائرية الضخمة، والمضاءة كالمذبح، بسلطة عقلانية. ورغم ذلك، فإن كل قرار يتخذ داخل هذه المساحة يدفع باتجاه الكارثة. ولا ينكسر الهدوء البصري أبدا بالهستيريا، بل على العكس، يكثف الرعب بتطبيعه.
أشار كوبريك في حوار صحفي إلى أنه أراد أن تبدو "غرفة الحرب جادة بما يكفي لجعل الكوميديا مقلقة". هذا التوازن أساسي لقوة الفيلم الدائمة، فالكاميرا لا تبالغ في ردود الفعل، ولا تنشأ الكوميديا من الإفراط البصري، بل من التفاوت بين خطورة القرارات والثقة العفوية التي تتخذ بها.
الشخصيات كأدوار لا كأبطاللا يقدم الفيلم بطلا رئيسيا، لأن الشخصيات فيه مجرد امتداد للمنطق المؤسسي. ويمثل قائد المجموعة ليونيل ماندريك (الممثل بيتر سيلرز) الطاعة الإجرائية، بينما يجسد الجنرال جاك دي ريبر (الممثل ستيرلينغ هايدن) الاستبداد المرضي، أما الرئيس ميركين مافلي فهو عقلاني، ومهذب، ولكنه عديم الفائدة بشكل كارثي.
لا يعد أداء بيتر سيلرز للشخصيات الـ 3 التي جسدها في الفيلم (دكتور سترينجلوف، والرئيس ميركين مافلي، والكولونيل ليونيل) أداء استعراضيا، بل كان خيارا أساسيا. فمن خلال تجسيده لشخصيات الرئيس والعالم والضابط، كشف كيف تغير السلطة أقنعتها مع الحفاظ على منطقها. تبدو السلطة عقلانية، وعبثية، وعاجزة، في الوقت نفسه، وهي 3 أوجه لنظام واحد فاشل. لا يفشل بسبب الاختلافات الفردية، بل لأن أدوار أفرادها قابلة للتبادل ضمن نظام معيب.
شخصية دكتور سترينجلوف نفسه تمثل العقلانية، ويشير إلى "إمكانية النجاة" من الحرب النووية بدقة متناهية، فخبراء الحرب الباردة كانوا على قناعة تامة بالحرب النووية القادمة، وقد آمن كوبريك بذلك، وقام بمد الخطوط على استقامتها.
بناء فني متكامليتميز الفيلم ببناء فني متكامل، لا يمكن فصله عن مضمونه، الألوان ليست للمتعة، فقد اعتمد ستانلي كوبريك التصوير بالأبيض والأسود في زمن كانت السينما الملونة هي الشغل الشاغل للجمهور والصناع. تحتل هذه الاختيارات تكوينا دلاليا، ففوضى الرمادي هي التي تبني علاقة عميقة جذرية، فالعالم الرمادي رمز لعالم يبدو منطقيا ومنظما وهميا من الخارج؛ ما يخفي داخله فوضى أخلاقية عميقة يظهرها الفيلم.
يلعب الديكور وتصميم المواقع دورا أساسيا في بناء المعنى، خصوصا في (غرفة الحرب). الطاولة الدائرية، والإضاءة المنبعثة من أعلى تصيبك بالذهول وتوهمك بالسيطرة والعقلانية، لكن شكلها الجارح ينقض على الكلمات الفارغة التي يطلقون بها شعاراتهم. كوبريك يصور السلطة كإطار مرسوم بدقة، هادئ، ومتيقن، تتحرك فيه قرارات الحياة والموت ببرود إداري يفضح كوارثها الأخلاقية.
تعزز حركة الكاميرا الإحساس بأن الكارثة لا تأتي من الانفعال، بل من الهدوء الزائد. فهي لا تلهث خلف الحدث، بل تراقبه من مسافة، كما لو كانت شاهدا محايدا على انهيار العقل. اللقطات القريبة لوجوه المسؤولين تبرز التناقض بين جدية الملامح وسخف الأفكار المطروحة.
إعلان
لا يعتمد الإيقاع السردي على تصاعد درامي تقليدي، بل على تكرار المواقف وتراكم المفارقة. إذ يبدو كل مشهد منطقيا في ذاته، لكن إجمالي المشاهد يقود إلى نتيجة عبثية وكارثية. ويعكس هذا الإيقاع البارد فكرة أن الكارثة الحديثة تنشأ من سلسلة إجراءات صحيحة شكليا.
رغم مرور 6 عقود على إصداره، لا يزال فيلم "دكتور سترينجلوف" (Dr. Strangelove) حاضرا برؤيته الثاقبة ومطالبه التي لم تتم تلبيتها، فالترسانات النووية موجودة. ولا تزال التكنولوجيا الحديثة تتوغل في حياة الإنسان، وتسيطر عليها.
لا تتناول هذه القراءة الجديدة ما قاله فيلم "دكتور سترينجلوف" عن الحرب الباردة، بل تتساءل عن سبب استمراره في إضحاكنا، ولماذا لا يزال هذا الضحك يشعرنا بالخطر. يكمن الجواب في رفض كوبريك تقديم العزاء، ويؤكد أن الأزمة مستمرة.
إقرأ المزيد


