3 أطفال وقلم.. كيف تحولت لحظات الأمومة المزدحمة إلى روايات عالمية؟
الجزيرة.نت -

Published On 24/1/2026

|

آخر تحديث: 21:04 (توقيت مكة)

شارِكْ

لم تكن الكاتبة والمترجمة المصرية هالة عبد النبي عباس تتوقع أن تتحول جائحة كورونا إلى نقطة انعطاف مفصلية في مسيرتها، تقودها إلى اكتشاف موهبة أدبية ظلت كامنة لسنوات، وتفتح أمامها بابا جديدا في أدب الطفل واليافعين، وصولا إلى الحضور في مشهد الجوائز الأدبية والترجمة.

وتوضح عباس، في حديثها إلى الجزيرة نت، أنها دخلت عالم النشر الأدبي عام 2021 بإصدار أول أعمالها الموجهة للأطفال بعنوان "وحش سارة الكاسر"، قبل أن تحصد في العام نفسه المركز الأول في مسابقة عبد الحميد شومان لأدب الطفل عن رواية اليافعين "معسكر غابة السناجب". وتصف هذا الفوز بأنه شكّل نقطة تحول حقيقية، نقلت الكتابة من كونها تجربة عابرة إلى مسار مهني واضح المعالم.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

وفي عام 2023، حصلت عباس على جائزة المترجم الصاعد من المعهد الكوري للترجمة الأدبية عن ترجمتها للنص الكوري القديم "حكاية يو يون" من الكورية إلى العربية، مؤكدة أن هذا التكريم عزز ثقتها بقدرتها على الجمع بين الترجمة والعمل الإبداعي دون تعارض.

اكتشاف متأخر لقدرة كامنة

تروي عباس أن دخولها عالم الكتابة جاء بالمصادفة، بعدما صادفت إعلان مسابقة عبد الحميد شومان على موقع فيسبوك، ولم يكن يفصلها عن موعد التقديم سوى أسبوعين. ورغم ازدحام جدولها وسوء حالتها النفسية في تلك الفترة، فإن الفكرة ألحّت عليها بشكل مفاجئ، وكان دعم زوجها عاملا حاسما في اتخاذ قرار المشاركة.

وتشير إلى أن اطلاعها على حيثيات لجنة التحكيم بعد الفوز دفعها إلى إعادة النظر في علاقتها بالكتابة، والتعامل معها باعتبارها خيارا مستقبليا جديا، لا مجرد هواية أو نشاط هامشي.

الأمومة.. تجربة توسّع حدود الكتابة

تؤمن عباس بأن الأمومة لم تقيّد خيالها، بل وسّعته ومنحته عمقا إضافيا، وفتحت أمامها مساحات داخلية لم تكن تدرك وجودها من قبل. وتصف هذه التجربة بأنها شديدة التركيب، تضيف أبعادا جديدة للخيال والرؤية.

إعلان

وتتحدث عن سنواتها في كوريا، حيث عاشت للدراسة في ظل غياب جالية عربية أو إسلامية كبيرة، مع تربية 3 أطفال، أحدهم من ذوي الاحتياجات الخاصة، إلى جانب مسؤوليات الدراسة والعمل ومتطلبات الحياة اليومية. وتصف هذه المرحلة بالصعبة، لكنها تؤكد أنها كانت في الوقت ذاته مليئة بالتوفيق والبركة.

وتضيف أن الغربة ضاعفت من تحديات الأمومة والعمل، لكنها أسهمت في تعميق وعيها بذاتها، ودفعها للاعتماد على الله ومواجهة نفسها في لحظات قاسية، وهو ما جعلها – بحسب تعبيرها – ممتنة للتجربة رغم قسوتها.

رواية (أبناء الظل) لليافعين أول رواية في معرض الكتاب للكاتبة هالة عباس (الجزيرة)
الكتابة وسط المسؤوليات اليومية

توضح هالة عبد النبي عباس أنها لم تملك يوما رفاهية المفاضلة بين أدوارها المختلفة، مشيرة إلى أن تجربة الأمومة كشفت لديها قدرات تنظيمية لم تكن تتوقعها، وأن الاستمرار في جميع المسارات كان الخيار الوحيد في ظل مسؤوليات الأسرة والأطفال.

وتقول إنها لا تعتمد حتى الآن طقوسا ثابتة للكتابة، إذ كانت نصوصها الأولى تُكتب في أوقات مسروقة بين المهام اليومية، أو عبر الهاتف المحمول أثناء التنقل، باعتبارها المساحة الزمنية الوحيدة المتاحة آنذاك. ورغم تحسن ظروفها الحالية، فإنها ما تزال تطمح إلى بناء روتين واضح ومستقر للكتابة.

شغف مبكر باللغات قاد إلى الكورية

تروي عباس أن علاقتها باللغات بدأت منذ الطفولة، وكان اهتمامها الأول موجها نحو اللغة اليابانية، قبل أن تقودها الظروف لاحقا إلى دراسة اللغة الكورية في كلية الألسن. وتضيف أن شغفها بالكورية دفعها إلى التفوق أكاديميا، ما أهلها للحصول على منحة من الحكومة الكورية والسفر عام 2010 للدراسة في جامعة سيول الوطنية (Seoul National University).

وتشير إلى أن النصوص القديمة تحظى باهتمام خاص لديها، لأنها تقدم -على حد تعبيرها- صورة غير مصقولة لإنسان ما قبل الحداثة والعولمة، وتكشف عن تساؤلاته الوجودية ومخاوفه العميقة، وهو ما يمنحها منظورا مختلفا لفهم الإنسان والواقع المعاصر.

"يو يون".. حكاية ظلم دوّنها التاريخ

توضح عباس أن "حكاية يو يون" نص تاريخي يعود إلى عام 1674، يوثق واقعة ظلم تعرض لها رجل أُعدم ظلما نتيجة مؤامرة دبرها أقاربه للاستيلاء على ميراثه، قبل أن تتمكن زوجته من كشف الحقيقة بعد فوات الأوان، ليأمر الملك لاحقا بتدوين القصة للعبرة.

وترى أن خيطا إنسانيا مشتركا يربط القصص في الحضارات القديمة، يتمثل في اتصال الإنسان بذاته وقدرته على التفكر والمراجعة، مقارنة بإنسان العصر الرقمي الذي -بحسب قولها- يفتقد في كثير من الأحيان الصبر اللازم لتتبع الأفكار وربطها.

وتختتم عباس حديثها بالتأكيد على أن أولويتها في المرحلة المقبلة تتمثل في تحويل الكتابة إلى نشاط مركزي في حياتها اليومية، لا مجرد مساحة تُملأ في أوقات الفراغ.



إقرأ المزيد