أساطير من الفولاذ.. ما أقوى الدبابات في العالم؟
الجزيرة.نت -

في صباحٍ ضبابيّ من سبتمبر/أيلول 1916، وفي خضم أحداث الحرب العالمية الأولى، فوجئت وحدات المشاة الألمانية في معركة "السوم" بمشهدٍ غير مألوف: مركبة ضخمة مرعبة تتقدّم ببطء فوق الأرض المليئة بالخنادق، تعبُر الأسلاك الشائكة دون أن تتوقف.

كانت تلك المركبة هي الدبابة البريطانية "مارك-1″، التي تُعدّ أول دبابة في التاريخ تُستخدم في القتال، وشكّل ظهورها في أرض المعركة لحظة فاصلة، أدرك معها العالم أن الحرب لن تبقى على صورتها القديمة.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

منذ ذلك اليوم، تطوّرت الدبابات من هياكل فولاذية بسيطة إلى آليات متقدمة تجمع بين القوة والتكنولوجيا. وعلى مدى أكثر من قرن من الزمن، برزت بعض النماذج لتصبح علامات فارقة في تاريخ الحروب، بفضل تصميمها وأدائها ودورها في المعارك الكبرى.

من الدبابة الفرنسية "رينو إف تي" التي ظهرت في الحرب العالمية الأولى، وصولًا إلى الدبابة الكورية الحديثة "كي-2 بلاك بانثر" المزوّدة بأنظمة ذكية، لكل واحدة منها مكانتها في سجلّ تاريخ التطور العسكري، ولكل منها قصتها الخاصة.

نستعرض معًا رحلة تطوّر الدبابة عبر الزمن، ونتتبع كيف تحولت من فكرة بسيطة إلى أحد أهم رموز القوة في القرنين 20 و21، مستعرضين بعض أبرز النماذج التي تركت أثرها الدائم في ساحات القتال. لكن، أولًا علينا أن نناقش سؤالًا مهمًا: كيف يمكننا تقييم تفوّق الدبابة؟

دبابات كي-2 الكورية الجنوبية خلال مناورة عسكرية مشتركة بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة في بوتشون، كوريا الجنوبية، 15 يونيو/حزيران 2023 (رويترز)
كيف نقيّم تفوق الدبابة؟

ليست كل دبابة استثنائية، فالتفوّق الحقيقي لا يتحقق بالقوة وحدها، بل بتكامل عدة عناصر في منظومة واحدة ومتوازنة. فالدبابة التي تُخلَّد في ذاكرة الحروب هي تلك التي تجمع بين دقة النيران، والحماية المحكمة، والقدرة العالية على المناورة، والاعتمادية التي تُكسبها ثقة جنودها واحترام خصومها.

إعلان

أول ما يميز أي دبابة متقدمة هو قوة نيرانها، فهي جوهر وظيفتها وأساس تفوّقها، فكلما زاد مدى المدفع ودقتُه وقدرته على الاختراق، ارتفعت فرصها في السيطرة على الميدان. الدبابة المتميزة هي التي تضرب أولًا، وتُصيب هدفها بثقة، قبل أن تقع في مرمى العدو.

أما منظومة الحماية فهي درعها النفسي والمادي في آنٍ واحد. لا يقتصر الأمر على سماكة الفولاذ، بل على هندسة الدرع وزواياه وطبيعة مواده، فالدبابة الفعالة ليست تلك التي تتجنب الضربات، بل التي تصمد أمامها وتواصل التقدم في طريقها.

تأتي بعد ذلك القدرة على الحركة، وهي ما يمنح الدبابة روحها الحقيقية. فالمحرك القوي ونظام التعليق المرن يسمحان لها بالتحرك بثبات عبر الطين والرمال والأنقاض دون فقدان التوازن أو القوة. السرعة هنا ليست مجرد أرقام، بل قدرة حقيقية على المناورة والتفاعل مع ظروف الميدان.

أما الاعتمادية وسهولة الصيانة، فهي سرّ التفوّق العملي، فالدبابة التي تعمل تحت الضغط، ويمكن تصليحها بأبسط الوسائل، وتُنتج بأعداد كافية، تكون غالبًا أكثر فاعلية من تصميم معقد لا يصمد في ميدان المعركة.

وبطبيعة الحال، لا يمكننا إغفال السُمعة القتالية، ذلك العامل المعنوي الذي لا يُحدد بالمقاييس التقنية. بعض الدبابات تتحول إلى رموز تاريخية، تُرهب الأعداء وتمنح طواقمها ثقة لا تُقدّر بثمن، بفضل أدائها في المعارك وسجلّها الطويل في الانتصارات.

وفي النهاية، يبقى التوازن مفتاح التميّز، فالدبابة الفريدة ليست الأقوى نيرانًا ولا الأثقل درعًا، بل تلك التي تنسجم فيها القوة والسرعة والمتانة والموثوقية في توليفة واحدة تصنع آلة حربٍ قادرة على فرض حضورها في ساحات المعركة.

يقال إنّه في الحروب لا توجد أفضل دبابة، بل توجد الدبابة الأنسب لزمانٍ ومكانٍ محدديْن، فالتفوق ليس مطلقًا، بل يرتبط بظروف المعركة وزمنها وسياقاتها. ففي حقبة ما، الدبابة التي كانت تُعدّ لا تُقهر، قد تصبح بعد سنوات قليلة مجرد ديكور عسكري تاريخي. لذا، فإن النماذج التي نستعرضها عبر العصور لم تكتسب شهرتها من التفوق التقني وحده، بل لأنها ساهمت في تغيير مجرى الحروب في زمنها، وربما أسهمت في تشكيل العالم الحديث.

فعندما نستحضر معركة كورسك، أكبر معركة دبابات في التاريخ، نرى أمامنا أسراب دبابات "تي-34" السوفياتية تتقدم تحت نيران دبابة "النمر-1" الألمانية، في مشهدٍ يلخّص صراع الإرادات بين القوى العظمى حينها. وعندما نتذكّر حرب الخليج عام 1991، تتراءى في الأذهان دبابات "أبرامز" الأميركية وهي تشقّ طريقها عبر الكثبان الرملية. لقد أصبحت تلك الآلات الفولاذية رموزًا لعصورها، تختزل روح الابتكار التي ميّزت كل مرحلة من مراحل تطور الحروب.

والآن، دعنا ننتقل إلى قصص بعض أبرز تلك الدبابات، التي أثرت في مسارات تطور هذا السلاح منذ بدايات انتشار تلك الفكرة في الحرب العالمية الأولى وحتى هذه اللحظة.

ولادة فكرة الدبابة الحديثة

وُلدت فكرة الدبابة الحديثة من رحم المأزق الذي غرقت فيه جبهات الحرب العالمية الأولى، ففي عام 1916، كانت الخنادق تمتد على طول الجبهات الأوروبية بلا نهاية، والقتال قد تحوّل إلى حرب استنزاف مميتة لا تعرف التقدّم ولا التراجع.

إعلان

حينها، بحث البريطانيون عن وسيلة لكسر هذا الجمود، فابتكروا ما أسموه "سفينة البرّ"؛ مركبة فولاذية تتحرك على جنازير، قادرة على عبور الخنادق وتحطيم الأسلاك الشائكة التي كانت تعيق تقدم الجنود.

ظهر هذا الابتكار لأول مرة خلال معركة "السوم" في سبتمبر/أيلول من العام نفسه. كانت التجربة فوضوية ومكلفة؛ تعطلت كثير من الدبابات قبل أن تصل إلى خطوط العدو، لكن الفكرة أثبتت نفسها. فقد تبيّن أن آلة مدرّعة تستطيع -حتى وهي بطيئة- أن تُحدث صدمة في صفوف الجنود وتدفعهم إلى التراجع أمامها. ويُروى أن الجنود الألمان، حين رأوا قذائفهم ترتدّ عن تلك الكتل الحديدية، أصيبوا بالذهول والذعر، في مشهد لم تعرفه حرب الخنادق من قبل.

كانت الدبابة البريطانية "مارك-1" وأخواتها تجربة بدائية في كل شيء: سرعتها لا تتجاوز بضعة أميال في الساعة، وكثيرًا ما تتعطل، وداخلها حرارة خانقة ودخان يخنق طاقمها. لكنها كانت البدايةَ الحقيقية، فقد علّمت المهندسين ما يجب تجنّبه وما يمكن تحسينه، ومهّدت الطريق لظهور جيل جديد من الدبابات أكثر فاعلية.

ومع اقتراب نهاية الحرب، قدّمت فرنسا للعالم دبابة "رينو إف تي"، التي غيّرت مفهوم التصميم العسكري بالكامل. كانت صغيرة الحجم وخفيفة الحركة، لكنها اعتمدت فكرة ثورية أصبحت لاحقًا النموذج القياسي لكل الدبابات الحديثة: محرك في المؤخرة، وسائق في المقدمة، وبرج دوّار يحمل المدفع في الأعلى. هذا الترتيب البسيط غيّر قواعد التصميم، إذ مكّن الدبابة من التصويب في أي اتجاه دون الحاجة إلى تحريك هيكلها بالكامل.

تكوّن طاقم دبابة "رينو إف تي" من شخصين فقط، وكانت تُسلّح بمدفع صغير أو رشاش ثقيل، لكنها تميّزت بقدرتها على المناورة وسهولة الإنتاج. فقد أنتجت فرنسا أكثر من 3000 دبابة منها بنهاية عام 1918، وهو رقم ضخم بمعايير ذلك الزمن، وشاركت بأعداد كبيرة في الهجمات التي مهّدت لنهاية الحرب. حينها، شهد العالم أول هجوم مدرّع منسّق في التاريخ، كان بطله أسطولًا من دبابات "رينو" الصغيرة التي اخترقت الخطوط الألمانية دون مقاومة تُذكر.

يصف المؤرخون دبابة "رينو إف تي" بأنها أول دبابة عصرية حقيقية، لأنها جمعت بين القوة والمرونة والإنتاج الواسع. لم تكن الأكبر ولا الأقوى، لكنها الأكثر توازنًا مع مدفع فعّال، ودرع كافٍ للحماية من الرشاشات، وسرعة معقولة، وسهولة في التصنيع. لهذا، أصبحت النموذج الذي اقتدت به كل الدبابات اللاحقة.

وعندما دخلت القوات الأميركية الحرب في عام 1918، استخدمت هذه الدبابات نفسها لعدم امتلاكها تصميمًا محليًا حينها. واستمرّت دبابة "رينو إف تي" في الخدمة حتى ثلاثينيات القرن 20، وبعضها قاتل مجددًا في بدايات الحرب العالمية الثانية.

بهذا الابتكار، انتهى عهد الجمود في الخنادق، وبدأ عهد جديد من الحروب المتحركة. لقد مهدّت دبابة "رينو إف تي" الطريق لعصرٍ أصبحت فيه الدبابة رمزًا للحركة والقوة، وسلاحًا قلب موازين المعارك الحربية.

إذا كانت الحرب العالمية الأولى قد قدّمت فكرة الدبابة إلى ساحة القتال، فإن الحرب العالمية الثانية كانت المسرح الذي بلغت فيه هذه الآلة الفولاذية ذروة تطورها. بين عامي 1939 و1945، تغيّر شكل الدبابات كما تغيّر شكل الحرب نفسها، إذ تضخمت قوتها النارية، وتطورت دروعها، وتنوّعت مهامها بين خفيفة وسريعة، أو متوسطة للمناورة، أو ثقيلة للاختراق.

وفي خضم هذا التطور، برز نموذجان متناقضان، لكنهما اشتركا في صفة واحدة: التأثير العميق على مسار الحرب، وهما الدبابة السوفياتية "تي-34″، ودبابة "النمر-1" الألمانية.

الدبابة "تي-34" السوفياتية

في يونيو/حزيران 1941، عندما غزت جيوش هتلر الاتحاد السوفياتي، كان الضباط الألمان يتوقعون حملة قصيرة تنتهي بانتصار سريع. لكن سرعان ما اصطدموا بسلاح لم يعهدوا قوته وصلابته سابقًا وهو دبابة "تي-34" السوفياتية، فقد كانت مختلفة تمامًا عن الدبابات التي واجهها الألمان حتى ذلك الوقت، فكانت خفيفة نسبيًا، وسريعة الحركة، ومدرعة بذكاء.

دبابات "تي-34" من الحقبة السوفياتية، تسير خلال عرض عسكري في يوم النصر، في الساحة الحمراء بوسط موسكو، روسيا، 9 مايو/أيار 2025 (رويترز)

كانت دبابة متوسطة تزن نحو 30 طنًا، ومزودة بمحرك ديزل قوي ومدفع عيار 76 ملم، ثم جرى تطويرها لاحقًا بإضافة مدفع عيار 85 ملم مضاد للطائرات. ولكن ما كان يميزها فعلًا هو تصميمها الذكي، بدرع مائل يزيد من قدرتها على صدّ القذائف دون الحاجة إلى زيادة السمك أو الوزن. وهذا المفهوم البسيط في الهيكل كان ثورة حينها في مجال المدرعات، ليجعلها أكثر صلابة من منافساتها الأثقل وزنًا.

إعلان

أما نظام التعليق الواسع وجنازيرها العريضة فسمحا لها بالتحرك بخفة على الأراضي الطينية والجليدية التي أرهقت الجيوش الغازية. كانت تسير بسرعة تقارب 60 كلم/ساعة، وهو إنجاز كبير لدبابة من ذلك العصر. تلك المرونة، إلى جانب قوة نيرانها، جعلتها خصمًا تصعُب مجاراته.

حتى القادة الألمان أنفسهم أُعجبوا بها، فقد وصفها المارشال فون كلايست، الذي كان أحد أكبر قادة المدرعات الألمان، بأنها "أفضل دبابة في العالم"، واعترف الجنرال الألماني هاينز غوديريان بتفوقها الواضح على الدبابات الألمانية في بداية الحرب. كانت المدافع الألمانية الصغيرة عاجزة عن اختراق دروعها، ولم ينجح في ذلك إلا سلاحهم المضاد للطائرات من عيار 88 ملم من مسافات قريبة جدًا.

ورغم تلك المزايا، لم تخلُ الدبابة الروسية من العيوب، فقد عانت في بداياتها من ضعف التواصل بين الوحدات، ومناظير رؤية محدودة، وتدريب غير كافٍ للطواقم. لكن تفوقها الحقيقي لم يكن فقط في الأداء، بل في الكمية والإنتاج، فبينما كان الألمان يصنعون المئات، كان السوفيات ينتجون الآلاف. نُقلت مصانعهم إلى ما وراء جبال الأورال، وظلّت تعمل بلا انقطاع لتنتج أكثر من 60 ألف دبابة "تي-34" خلال الحرب.

بحلول منتصف الحرب، أصبحت دبابة "تي-34" العمود الفقري للجيش الأحمر، وساهمت في قلب الموازين في معارك فاصلة مثل ستالينغراد وكورسك، حيث واجهت الدبابات الألمانية الحديثة بكفاءةٍ وعددٍ يفوق الوصف.

لقد مثّلت تلك الدبابة فلسفة السوفيات في الحرب، بمفهوم البساطة والصلابة وسهولة الإنتاج. لم تكن الأجمل تصميمًا ولا الأكثر تطورًا تقنيًا، لكنها كانت الأكثر ملاءمة للواقع القاسي للحرب. ولهذا يصفها المؤرخون بأنها الدبابة التي غيّرت مجرى الحرب العالمية الثانية، ليس لأنها تفوقت على كل منافسيها، بل لأنها كانت الدبابة المناسبة في الوقت الحاسم.

دبابة "النمر-1" الألمانية

إذا كانت الدبابة الروسية تمثل سلاح الصبر الذي انتصر بالعدد الوافر والصلابة، فإن الدبابة الألمانية "النمر-1″ كانت على النقيض تمامًا، إذ كانت آلة نخبوية مصمّمة لتجسيد القوة المطلقة في ساحة المعركة. اسمها الرسمي كان " بانزر كامفاغن 6 تايغر" (Panzerkampfwagen VI Tiger)، وقد دخلت الخدمة عام 1942 لتصبح سريعًا رمزًا للرعب والهيبة في آن واحد.

بلغ وزن دبابة "النمر-1" نحو 57 طنًا، وجهزت بالمدفع الشهير "كي دبليو كي 36" عيار 88 ملم، وهو السلاح الذي اشتهر بدقته وقدرته الفائقة على الاختراق، إذ كان بإمكانه تدمير معظم دبابات الحلفاء من مسافة تفوق 2 كلم، أي قبل أن تُدرك أطقم العدو أنها باتت هدفًا من الأساس.

أما دروع الدبابة، فقد بلغت سماكتها 100 ملم في المقدمة و80 ملم في الجوانب، مما جعلها شبه منيعة أمام نيران مدفع الدبابة الأميركية "إم4 شيرمان" والروسية "تي-34" في المدى القتالي المعتاد.

في ميادين شمال أفريقيا وأوروبا، سرعان ما اكتسبت دبابة "النمر-1" سمعة مخيفة، إذ كان مجرد احتمال مواجهتها كفيلًا بإثارة القلق في صفوف الحلفاء. وتغذّت أسطورتها بحكايات ميدانية حقيقية، أبرزها ما حدث خلال معركة فيلير-بوكاج بفرنسا في يونيو/حزيران 1944، حين تمكن قائد الدبابات الألماني الشهير مايكل فيتمان من تدمير أكثر من 10 دبابات ومركبة بريطانية في كمين واحد، ليصبح اسمه "نمر المعركة"، وتحوّل إنجازه إلى رمزٍ للتفوق الألماني في سلاح المدرعات.

ومع الوقت، بدأ جنود الحلفاء يبلّغون عن أي دبابة ألمانية على أنها دبابة "النمر" من فرط الخوف، حتى لو لم تكن كذلك.

من الناحية التقنية، مثلت دبابة "النمر-1" إنجازًا هندسيًا، فكانت قوية ودقيقة ومحصّنة جيدًا، لكن هذا التفوق كان سيفًا ذا حدّين، فقد كانت مُكلفة وبطيئة التصنيع، إذ كانت تكلف الواحدة منها ما يعادل ثلاث دبابات متوسطة، ولم يُنتَج منها سوى 1347 وحدة تقريبًا طوال فترة الحرب، وهو رقم ضئيل أمام الآلاف من دبابات الحلفاء.

أما في الميدان، فقد واجهت مشكلات ميكانيكية متكررة بسبب وزنها الثقيل وتعقيد أجزائها، وكانت تستهلك الوقود بكميات هائلة، ما جعل عملياتها محدودة النطاق، بل إن وزنها كان يمنعها أحيانًا من عبور الجسور، لتُضطر إلى النقل بالسكك الحديدية.

ورغم كل ذلك، حققت دبابة "النمر-1" نسب تدمير مرتفعة في المعارك التكتيكية، إذ كانت قادرة على مواجهة عدة دبابات معادية في آنٍ واحد. غير أن تأثيرها الاستراتيجي ظل محدودًا، فقلة عددها وتعقيد صيانتها جعلاها آلة تفوّق موضعي لا سلاح نصرٍ شامل. لكن على المستوى الرمزي والنفسي، لا تنافسها أي دبابة أخرى، فقد أصبحت تجسيدًا لتميّز الصناعة الألمانية، ومثالًا على ما يمكن أن توفره القوة حين تبلغ أقصى درجاتها.

إعلان

لقد فشلت دبابة "النمر-1" في تغيير مجرى الحرب، لكنها نجحت في مسار آخر: أن تخلّد نفسها كرمزٍ للقوة الفولاذية. فحتى اليوم، حين تُذكر أفضل الدبابات، يبقى اسمها حاضرًا، ليس لأنها الأكثر عددًا أو نصرًا، بل لأنها الأكثر هيبة وتأثيرًا في ذاكرة الحروب العسكرية.

دبابة "سينتوريون" البريطانية

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، لم يتوقف سباق التسلح، بل ازداد شراسة مع بدايات الحرب الباردة. وبينما كان العالم يلتقط أنفاسه بعد 6 سنوات من الدمار، كانت القوى العظمى تُعيد حساباتها استعدادًا لحربٍ عالمية جديدة محتملة.

وفي خضم هذا التوتر العالمي، بدأت مرحلة جديدة في تطوّر الدبابات، استندت إلى دروس الحرب السابقة، لتبحث عن التصميم الأمثل الذي يجمع بين السرعة والقوة والقدرة على البقاء. ومن بين أشهر الدبابات في تلك الحقبة، برزت الدبابة البريطانية "سينتوريون" كأحد أهم إنجازات ما بعد الحرب، وكنموذج مبكر لما سيُعرف لاحقًا بمصطلح "دبابة المعارك الرئيسية".

كانت الدبابات البريطانية خلال الحرب الثانية متباينة الأداء؛ بعضها سريع لكنه ضعيف التسليح، وبعضها مدرّع لكنه بطيء. أما دبابة "سينتوريون" التي بدأ تصنيعها في آخر شهور الحرب، فقد غيّرت هذه الصورة، إذ جاءت بتصميم متوازن يهدف إلى الجمع بين ميزات الدبابات الخفيفة والثقيلة في آنٍ واحد: قوة نيران معتبرة، ودروع متينة، وسرعة كافية للحركة في مختلف التضاريس.

دبابة "سينتوريون" البريطانية في الساحة الرئيسية في مهرجان تانكفست 2024 في 28 يونيو/حزيران 2024 (غيتي)

بلغ وزنها نحو 45 طنًا، وزُوّدت في البداية بمدفع عيار 76 ملم، ثم طُوّر لاحقًا إلى عيار 84 ملم، قبل أن تُجهّز بمدفع الدبابات البريطاني الشهير "إل 7" عيار 105 ملم، الذي أصبح السلاح القياسي لدبابات حلف الناتو لعقودٍ لاحقة. أما درعها الأمامي فتميّز بصلابة جعلته قادرًا على مقاومة معظم الأسلحة المضادة للدبابات في خمسينيات القرن الماضي.

كان محركها من طراز "رولز-رويس ميتيور" المأخوذ من محركات الطائرات البريطانية الشهيرة، وبلغت قوته 600 حصان، مما منحها سرعة تقارب 35 كلم/ساعة، مع أداء مميز على الأراضي الوعرة. هذا المزيج من القوة الميكانيكية والموثوقية جعلها دبابة يُعتمد عليها في القتال الطويل، وهو ما لم يتوفر في معظم منافساتها في تلك الفترة.

أثبتت دبابة "سينتوريون" مكانتها سريعًا في الميدان، إذ خاضت معاركها الأولى في الحرب الكورية (1950-1953)، حيث أثبتت كفاءتها في مواجهة ظروفٍ قاسية وتضاريس صعبة. وبعدها أصبحت العمود الفقري للعديد من جيوش العالم الغربي، إذ استخدمتها نحو 19 دولة، من بينها كندا وأستراليا والهند وإسرائيل وجنوب أفريقيا والسويد.

وفي عدد من الصراعات، أظهرت تفوقها الواضح، ففي حرب الهند وباكستان عام 1965، أدت دبابة "سينتوريون" دورًا حاسمًا في معركة "أسال أوتار"، إذ تمكنت الدبابات الهندية من هذا الطراز من تدمير العديد من الدبابات الباكستانية من طراز "باتون" الأميركية مقابل خسائر أقل في صفوف الدبابات الهندية.

وواصلت الدبابة البريطانية "سينتوريون" أداءها الموثوق في جيوش عدة حتى ثمانينيات القرن 20، فقد طُوّر هيكلها لاستخدامات متعددة، ومع كل تحديث جديد كانت تثبت مرونة تصميمها وقابليته المستمرة للتطور.

يمكن اعتبار دبابة "سينتوريون" حلقة الوصل بين دبابات الحرب العالمية الثانية ودبابات العصر الحديث، إذ جمعت بين الدروس القديمة والرؤى الجديدة، وقدّمت للعالم فكرة بسيطة لكنها ثورية: أن دبابة واحدة متوازنة في القوة والدرع والسرعة يمكن أن تؤدي مهام متعددة وتبقى صالحة على مدار عقود. ومن رحم هذا المفهوم وُلدت أسماء شهيرة حديثة مثل دبابة "ليوبارد" الألمانية و"أبرامز" الأميركية، وهي تحمل في جيناتها إرث الدبابة البريطانية التي وضعت قواعد جديدة لعصر المدرعات الحديثة.

دبابة "ليوبارد-2" الألمانية

مع اقتراب نهاية القرن 20، شهد تصميم الدبابات تصاعدا ملحوظا في التطور التقني، فقد أدّت التحسينات في المحركات، وتقنيات الدروع المركّبة، مثل درع "تشوبهام" (Chobham)، وأنظمة الإلكترونيات المتقدمة، بما فيها محددات المدى بالليزر ومناظير الرؤية الحرارية والأنظمة المحوسبة للتحكم في النيران؛ إلى ولادة جيل جديد من دبابات المعارك الرئيسية يفوق سابقاته قوة وبقاء في ميدان المعركة.

وقد برزت دبابتان غربيتان كرموز لعصر المدرعات الحديثة، وهما الدبابة الألمانية "ليوبارد-2" والأميركية "أبرامز إم1″، ويُنظر إليهما غالبًا كأفضل الدبابات الحديثة عالميًا.

في عام 1979، حين شرعت ألمانيا الغربية في تطوير دبابة "ليوبارد-2″، كان هدفها إنتاج آلة قتال قادرة على مواجهة الجيوش السوفياتية الجرّارة في حال نشوب حرب عالمية ثالثة. دخلت نسخة "ليوبارد-2" الخدمة في ذلك العام خلفًا للدبابة السابقة "ليوبارد-1″، لكن هذه المرة بتصميم يطمح إلى التميز في كل الجوانب، بمدفع أملس الماسورة عيار 120 ملم، ودروع مركّبة متطورة، ومحرك فائق الأداء، وأنظمة تسديد متقدمة.

والنتيجة كانت ما يُعتبر على نطاق واسع أكثر الدبابات توازنًا في جيلها، فقد حازت دبابة "ليوبارد-2" سمعة عالمية جعلتها من أكثر الدبابات انتشارًا في العالم، إذ تخدم في أكثر من 20 جيشًا من جيوش الناتو، بينها ألمانيا وهولندا وسويسرا والسويد وإسبانيا وتركيا وغيرها. وكثيرًا ما تُوصف بأنها أشهر دبابة في ترسانة الحلف، وهو دليل على الثقة العالمية بجودتها وفاعليتها.

تعمل الدبابة بمحرك ديزل بقوة 1500 حصان، يمنحها سرعة قصوى تبلغ نحو 68 كلم/ساعة على الطرق المعبدة. ورغم وزنها البالغ نحو 55 طنًا، فإنها تتميز برشاقة ملحوظة بفضل نظام تعليق متطور ونسبة طاقة إلى وزن عالية، ما يمكّنها من التسارع واجتياز الأراضي الوعرة بسهولة. كما تتميز بالمدفع الشهير "راينميتال" 120 ملم، الذي اعتمدته لاحقًا دبابة "أبرامز" الأميركية.

تتمتع الدبابة بنظام محوسب للتحكم في النيران، مزوّد بمحدد مدى بالليزر ومناظير حرارية، يسمح لها بإصابة الأهداف ليلاً ونهارًا بأول طلقة حتى أثناء الحركة.

من ناحية الحماية، تعتمد "ليوبارد-2" دروعًا مركّبة متعددة الطبقات من الفولاذ والسيراميك ومواد أخرى، مصممة لمقاومة المقذوفات الخارقة والدروع؟؟ (ربما المقصود: الصواريخ) المضادة للدبابات على السواء. وقد زُوّدت النماذج الأحدث منها بوحدات دروع إضافية معيارية لتعزيز قدرتها في القتال داخل المدن، بل وأضيفت إليها منظومات حماية نشطة في بعض الإصدارات.

طوال الحرب الباردة، كانت هذه الدبابة أداة ردع استراتيجية أكثر من كونها سلاحًا قيد الاستخدام الفعلي، إذ لم تواجه خصمًا مماثلًا حتى مطلع القرن 21. لكن مع اندلاع بعض الصراعات الإقليمية، خاضت الدبابة أخيرًا تجاربها القتالية، مثل استخدام تركيا لدبابات "ليوبارد-2" في سوريا، وقد أظهرت تلك المعارك أنها ليست منيعة تمامًا، إذ فُقد بعضها نتيجة ألغام أو صواريخ موجهة مضادة للدبابات، غير أن الأداء العام للدبابة أثبت صحة سمعتها باعتبارها آلة قتال عالية الكفاءة.

الدبابة "أبرامز إم1" الأميركية

قليل من الدبابات في التاريخ الحديث خاضت تجارب قتال فعلية بقدر ما فعلت الدبابة الأميركية "أبرامز إم1″، فقد دخلت الخدمة في أوائل الثمانينيات كاستجابة مباشرة لتهديد الدبابات السوفياتية في أوروبا، وجمعت بين قوة النيران والدروع المتقدمة والسرعة العالية، إلى جانب خيارٍ تقني فريد تمثّل في استخدام محرك توربيني غازي بدلًا من محرك ديزل تقليدي. لكن دبابة "أبرامز" لم تكتسب شهرتها العالمية إلا بعد عقدٍ من الزمن، خلال حرب الخليج عام 1991.

دبابة أميركية من طراز "أبرامز إم1" في ضواحي بغداد في 17 أغسطس/آب 2008 (رويترز)

عام 1990، ظهرت النسخة المطوّرة "أبرامز إم1 أي1″، بوزن يبلغ 67 طنًا، وجهّزت بمدفع أملس الماسورة عيار 120 ملم من إنتاج شركة "راينميتال" الألمانية. كانت تطلق قذائف خارقة للدروع، وهو سلاح أحدث فارقًا حاسمًا في الميدان، فمثلا خلال عملية عاصفة الصحراء، تمكنت أطقم دبابات "أبرامز" من تدمير العديد من دبابات "تي-72" العراقية. أما مدفعها ونظام التحكم المحوسب في النيران، فقد منحاها دقة في التسديد حتى أثناء الحركة أو من مسافات بعيدة.

كما منحتها أجهزة الرؤية الحرارية ميزة الرؤية الليلية الكاملة، فكانت قادرة على خوض المعارك في الظلام كما في النهار، وهو ما حسم العديد من الاشتباكات. أما محركها التوربيني الغازي بقوة 1500 حصان، وهو في الأصل محرك نفاث معدّل، فقد منحها سرعة تتجاوز 70 كلم/ساعة، وصوتًا مميزًا أشبه بصفير طائرة، ما أكسبها لقب "الموت الهامس" (Whispering Death) بين الحلفاء.

وخلال الغزو الأميركي للعراق عام 2003، تصدّرت دبابات "أبرامز" التقدم نحو بغداد، ولم تبدأ الخسائر الحقيقية إلا لاحقًا، حين استُخدمت ضدها عبوات ناسفة متطورة وصواريخ موجهة مضادة للدبابات، لتذكّرنا بأن حتى أقوى الدبابات ليست منيعة تمامًا، مهما بلغت قوتها.

استمر تطوير دبابة "أبرامز" عبر نسخ متعاقبة، مضيفة تحسينات في الدروع والإلكترونيات ومنظومات الحماية النشطة ضد الصواريخ الحديثة، كما خضعت لاحقًا لعملية تحديث لتتناسب مع حروب المدن للتعامل مع العبوات الناسفة وقذائف "الآر بي جي" والتهديدات القريبة. وحتى عام 2025، ما تزال دبابة "أبرامز إم1" العمود الفقري لسلاح المدرعات الأميركية، مع سعي الجيش الأميركي مؤخرًا لتسريع تطوير الجيل الجديد من دبابة المعارك الرئيسية بالنسخة الجديدة "أبرامز إم1 إي3".

دبابة "كي-2 بلاك بانثر" الكورية

مع دخول القرن 21، دخلت الدبابة حقبة جديدة من التطوّر. تقنيات مثل منظومات الحماية النشطة، والدروع المركّبة المتطورة، وشبكات تبادل البيانات الميدانية، وحتى الأبراج غير المأهولة والمحركات الهجينة، أعادت تشكيل مفهوم دبابة المعارك الرئيسية. وربما أبرز تجسيدات هذا التحوّل؛ الدبابة الكورية الجنوبية "كي-2 بلاك بانثر"، التي يصنّفها كثير من الخبراء كأحد أرقى تصميمات المدرعات، وإن لم تُختبر بعدُ في ميدان القتال الحقيقي.

تُعدّ الدبابة الكورية من دبابات الجيل الرابع، طوّرتها سول لتتفوق نوعيًا على مدرّعات نظيرتها الشمالية الأكثر عددًا. وزنها يقارب 55 طنًا، وهي أخفّ من دبابات "أبرامز" و"ليوبارد-2″، لكن مزاياها التقنية كثيرة.

تستخدم الدبابة نظام تلقيم آلي يختصر الطاقم إلى ثلاثة أفراد، ويتيح معدل إطلاق مرتفع يصل إلى 10-15 طلقة في الدقيقة. دروعها مركّبة ومتعددة الطبقات، مع وحدات معيارية تتضمن دروعًا تفاعلية غير متفجرة، فتوفّر حماية فعّالة ضد القذائف الخارقة.

على صعيد الحماية، زُوّدت الدبابة بمنظومة دفاع نشطة متقدمة، بنظام يطلق ستائر دخانية ووسائل خداع حرارية وإلكترونية لإرباك الصواريخ الموجّهة. هذه الحزمة تزيد فرص النجاة أمام التهديدات الحديثة، بما فيها الهجمات من أعلى.

نظام التحكم في النيران من بين الأحدث عالميا، بكاميرات حرارية متطورة قادرة على تتبّع أهداف حتى نحو 10 كلم، وحاسوب متطوّر. كما تملك الدبابة قدرة على الإطلاق غير المباشر باستعمال قذائف ذكية، ما يمكّنها من ضرب أهداف مختبئة خلف التلال أو خارج خط الرؤية المباشر.

الدمج في شبكات القيادة والسيطرة يضيف بعدًا تقنيًا آخر؛ فبإمكانها تبادل بيانات الاستهداف مع وحدات أخرى، مما يتماشى مع مفهوم "الحرب الشبكية" المتصلة. ومع أن الدبابة الكورية لم تُختبر حتى الآن في معارك فعلية، فقد أثارت إعجاب مراقبين ودول مهتمة، إذ شرعت بعض الدول فعلا في شراء أو تطوير نسخ مستندة إليها، لكن ثمن النسخة الواحدة منها مرتفع، ويُقدّر بأكثر من 8 ملايين دولار.

اليوم، ومع ظهور تهديدات حديثة، مثل الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة، لم تتراجع الدبابات إلى الهامش، بل تحاول التطوّر لتواكب زمنها وسياقها. فمنظومات الحماية النشطة، والذكاء الاصطناعي، والدروع الذكية، كلّها امتداد لفكرةٍ واحدة وُلدت قبل قرن من الزمان: أن القوة والسيطرة على الأرض لا غنى عنها. وربما تحمل دبابة المستقبل أسلحة طاقة موجهة أو تعمل بأنظمة ذاتية، لكنها ستظل مدينة بأساسها الفكري والعملي لتلك الأساطير الفولاذية التي مهّدت الطريق حتى الآن.

في النهاية، تأسس كل جيل من تلك الدبابات على دروس تاريخية كُتبت بالدم والفولاذ، وكل واحدة منها كانت شاهدة على حقبة شكلت العالم بطريقتها الخاصة. وطالما بقيت الحرب البرية واقعًا من وقائع الصراع البشري، سيظلّ السعي وراء الدبابة المثالية قائمًا، لتولد في كل عصر أسطورة جديدة من الفولاذ، تواصل سرد الحكاية التي بدأت قبل أكثر من 100 عام في خنادق معركة "السوم".



إقرأ المزيد