الجزيرة.نت - 1/22/2026 2:00:24 AM - GMT (+3 )
ما انفك "اللوبي اليهودي"ـ أو الإسرائيلي ـ في الولايات المتحدة الأميركية، يثير كثيرا من الصخب، في أوساط النخبة، على مستوى تحريره كـ"مصطلح" أي ضبط فحواه، أي إلامَ يشير على وجه الدقة أو التقريب؟ فيما يسود الارتباك وعدم الوضوح، حال البحث عن مسوغات تلك العلاقة بينه وبين الإدارات الأميركية المتعاقبة.
الأصوات الأقل صخبا، تميل إلى التمييز بين "جماعات الضغط اليهودية"، وجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، إذ إن الخلط ـ من وجهة نظرها ـ بين اليهودية ودولة إسرائيل الحالية، قد يعد معاداة للسامية بشكل واضح.
ويعتقد أنه خلط متعمد من نظام الإبادة الجماعية، لإسكات كل من يعارضه، وجعل الجميع يعيشون في خوف دائم منه.
المناقشات الجانبية في المنتديات الغربية، تكاد تتفق على أن دولة إسرائيل لا تمثل مصالح جميع اليهود. حيث توجدـ في المقابل ـ جماعات ضغط إسلامية وجماعات ضغط مسيحية إنجيلية قوية جدا في أميركا، لكن هذا لا يعني أنها تمثل كل مسلم أو مسيحي.
فيما يعارض الكثير من اليهود في الشتات دولة إسرائيل، ويأتي جزء كبير من دعم إسرائيل من حركة مسيحية إنجيلية معادية للسامية تدعم إسرائيل استنادا إلى نبوءات توراتية!
تعتقد هذه الحركة أن قيام إسرائيل سيؤدي إلى المجيء الثاني للمسيح، وأن جميع اليهود سيتحولون إلى المسيحية أو يبادون، ويواجهون العذاب الأبدي، على نحو ما أكدته نقاشات ساخنة، تابعتها بنفسي، بشأن ذلك على منتدى Reddit الشهير والمخصص لمناقشة أعمال الفيلسوف السلوفيني الشهير سلافوي جيجك Slavoj Žižek.
تصريحات الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، بعد طوفان الأقصى، تعتبر مفتاح ما استغلق في فهم العقلية الأميركية وموقفها من منطقة الشرق الأوسط، وذلك عندما قال بفخر: "لو لم تكن إسرائيل موجودة، لكان علينا اختراعها"
ويستند هذا التيار إلى أن اليهود الأميركيين الأكبر سنا والأكثر التزاما بالتعاليم الأرثوذكسية يميلون إلى دعم دولة إسرائيل، بينما يقل دعم اليهود الأميركيين الأصغر سنا، وغير الأرثوذكس لها.
ويستدلون على ذلك بالفارق بين منظمة أيباك "AIPAC" سيئة السمعةـ مثلا ـ ومنظمة "جي ستريت" التي تميل إلى التبرع للديمقراطيين المعتدلين الذين يدعون إلى حل الدولتين.
إعلان
في كتابهما المشترك "اللوبي الإسرائيلي والسياسة الأميركية الخارجية"، يجادل أستاذ العلوم السياسية بجامعة شيكاغو، جون ميرشايمر، وأستاذ العلاقات الدولية ستيفن والت بجامعة جون كينيدي، بأن محور السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط، هو علاقتها الوثيقة بإسرائيل.
ويشير الباحثان إلى أنه على الرغم من تبرير هذا الالتزام في كثير من الأحيان بأنه يعكس مصالح إستراتيجية مشتركة أو ضرورات أخلاقية ملحة، فإن التزام الولايات المتحدة تجاه إسرائيل يعود في المقام الأول إلى أنشطة "جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل"، والتي تأتي غالبا على حساب الولايات المتحدة.
وتساءل الكاتبان عن جدوى العلاقة الخاصة القائمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، واعتبراها معادية للمصالح الإستراتيجية والدولية الأميركية في جميع أنحاء العالم.
ومع ذلك فإن أحدهماـ ستيفن والت ـ يقول: "إنهم لا يستخدمون أبدا مصطلح اللوبي اليهودي؛ لأن اللوبي يعرف بأجندته السياسية وليس بالدين أو العرق".
وقال الكاتبان في رسالة إلى رئيس تحرير "نيويورك تايمز" للرد على مراجعة الصحفي والسياسي الأميركي البارز "ليزلي جيلب" للكتاب: "يشير جيلب مرارا إلى اللوبي اليهودي بالرغم من أننا لم نستخدم هذا المصطلح أبدا في كتابنا. وبالتأكيد نحن نرفض وبصراحة هذه التسمية المضللة وغير الدقيقة؛ لأن اللوبي يضم يهودا كما يضم مسيحيين صهيونيين، ولأن الكثير من اليهود الأميركيين لا يؤيدون السياسات المتشددة التي يفضلها رموز اللوبي الأكثر قوة".
الكتاب الذي تصدر قائمة "نيويورك تايمز" للكتب الأكثر مبيعا عام 2007، يعتبره الكثيرون من منتقدي إسرائيل، حقيقة مسلمة، فيما يعتبره آخرون كتابا دعائيا؛ لتزييف الواقع وتزويره، وتقديم "خرافة" اللوبي اليهودي بوصفها "حقيقة" لا يختلف عليها اثنان.
ومع ذلك، ظل هذا الكتاب – في العالم العربي ـ الأقل شعبية وشهرة بكثير من كتاب "يجرؤون على الكلام" للنائب الأميركي السابق بول فندلي"، الذي تبوأ منزلة التوقير والاهتمام بين المثقفين العرب بشكل مبالغ فيه، ترجمة ونشرا، حتى إنه عندما توفي عام 2019 نعاه قطاع كبير من النخبة العربية في أكثر من مطبوعة صحفية واسعة الانتشار.
كتاب فندلي، كان أكثر عنفا وأكثر الأصوات الاحتجاجية، تجاه الإدارات الأميركية المتعاقبة، وعلاقاتها ـ التي يعوزها المنطق والمصلحة والأخلاق ـ مع إسرائيل.
بلغت حد وصفه الكونغرس الأميركي بأنه ليس إلا امتدادا لحزب الليكود الإسرائيلي. وأن للولايات المتحدة الأميركية حكومتين: الأولى داخلية يرأسها رئيس أميركي، والثانية حكومة للشؤون الدولية يرأسها أيباك.
والحال أن جل الدراسات التي اهتمت بهذه الظاهرة، ظلت متحفظة عند حدود إعادة ضبط المصطلح ـ لأسباب قانونية ـ وكذلك المتابعة والرصد، وما ترتب على ذلك ـ بطبيعة الحال ـ من إدانات ونقد للسلطات الأميركية، ولكنه لم يتخطَ تلك العتبة، إلى صلب الظاهرة ومتنها وتفسيرها واختبارها ميدانيا.
لأن صدور مثل هذه الكتب، التي تتحدث عن قوة اللوبي اليهودي أو الإسرائيلي، بدون أن يُمس المؤلف بالأذى أو يصادر كتابه، هو ـ في ذاته ـ إشارة إلى النقيض، ويدحض ضمنيا السردية بشأن اللوبي وجبروته وذراعه الطويلة.
إعلان
لقد ظل فندلي ـ على سبيل المثال ـ عضوا في الكونغرس 22 عاما، ولم يستطع اللوبي اليهودي، معاقبته في الانتخابات وإقصاءه عن موقعه! كما أشارت "نيويورك تايمز" في نعيها له يوم وفاته.
فيما ظل جون ميرشايمر وستيفن والت أستاذين مرموقين في أرفع المؤسسات العلمية، بلا أية مضايقات من اللوبي اليهودي، رغم وجود رابطة مكافحة التشهير "ADL"، وهي واحدة من أكبر جماعات الضغط "اللوبي الإسرائيلي"، وتتمتع بنفوذ كبير لدى الحكومات ووسائل الإعلام والجامعات والمدارس ووكالات إنفاذ القانون والقطاع الخاص، حيث تدير العديد من البرامج التدريبية و"التعليمية"، بالإضافة إلى شبكة من المنظمين المحليين وجماعات الضغط.
ولطالما خلطت رابطة مكافحة التشهير بين انتقاد إسرائيل ومعاداة السامية، كما يقول زاكاري فوستر، المؤرخ الأميركي المتخصص في تاريخ فلسطين والشرق الأوسط.
في "ديلي تلغراف" تساءل المحلل السياسي الأميركي ديفيد فروم: إذا كان النفوذ اليهودي يفسر سياسة أميركا في الشرق الأوسط، فكيف نفسر سلوك كلينتون ونيكسون؟ بل كيف نفسر سلوك جورج دبليو بوش؟ قلما حظي مرشحون رئاسيون في العصر الحديث بدعم أقل من اليهود مقارنة ببوش في نوفمبر/تشرين الثاني 2000، والذي بلغ حوالي 19%.
لقد كان الرئيس السابق بيل كلينتون ـ على سبيل المثال ـ من بين جميع الرؤساء الأميركيين، الأكثر ودا تجاه اليهود الأميركيين. إذ لم يسبق لأي رئيس أن عين هذا العدد الكبير من الأشخاص ذوي الخلفية أو الديانة اليهودية في هذا العدد الكبير من المناصب المهمة: مادلين أولبرايت، وساندي بيرغر، ووليم كوهين، وآلان غرينسبان، وبيرني نوسباوم، وروبرت رايش، وروبرت روبين، ولاري سامرز، والقائمة تطول.
وفي المقابل فقد أحب المجتمع اليهودي الأميركي كلينتون بالمثل. وجمع عشرات الملايين من الدولارات من اليهود في هوليود ونيويورك، وبلغت ذروتها في هبة قدرها 8 ملايين دولار من قطب الترفيه حاييم صبان (من أصل مصري) لبناء مقر جديد للحزب الديمقراطي، وأكثر من 500 ألف دولار من دينيس ريتش لمكتبته الخاصة.
ومع ذلك كانت مواقف كلينتون هي الأكثر تشددا تجاه سياسات إسرائيل في الشرق الأوسط، فهو الذي ضغط على إسرائيل بشدة لإخلاء الضفة الغربية وقطاع غزة لإقامة دولة فلسطينية. واستقبل ياسر عرفات أكثر من أي زعيم عالمي آخر، بمن فيهم رئيس وزراء بريطانيا، ورئيس روسيا. ورد على انتفاضة الأقصى في سبتمبر/أيلول 2000 بالضغط على إسرائيل لتقديم تنازلات أحادية الجانب أكثر جذرية.
وعلى خلاف ذلك، كان ريتشارد نيكسون، لا يخفي معاداته للسامية. احتفظ نيكسون بقوائم بأسماء اليهود في وسائل الإعلام وفي إدارته، ولم يغفر قط حتى لأقرب مستشاريه، هنري كيسنجر، بسبب دينه. ومع ذلك، كان نيكسون هو من أعاد تسليح إسرائيل في أحلك ساعاتها، في أكتوبر/تشرين الأول 1973، وأنقذها من هزيمة كارثية في الساعات الأولى من حرب يوم الغفران.
في ذات السياق، عندما صوت مجلس النواب الأميركي في ديسمبر/كانون الأول 2023، لصالح قرار يساوي بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية، ودخل النواب في نقاش يهودي قديم، حول معنى أن تكون يهوديا، أعاد الصحفي الاستقصائي "اليهودي" الأميركي ياشا ليفين السؤال بشأن أسباب الدعم الهائل الذي تحظى به إسرائيل وأيديولوجيتها القومية اليهودية من جميع المؤسسات الخاصة والعامة بأميركا من عمداء الجامعات إلى رؤساء البلديات الصغيرة، مرورا برئيس الولايات المتحدة، وصولا إلى جميع الشركات الكبرى والصغرى تقريبا.
استبعد ليفين السردية المتداولة بشأن الحضور الطاغي لـ"اللوبي اليهودي" في صنع القرارات السيادية الكبرى للولايات المتحدة، وردها إلى ما أطلق عليه "استغلال الإمبراطورية الأميركية للحركات القومية الأجنبية كسلاح"، والتي كانت الدولة اليهودية الناشئة في فلسطين من بينها.
إعلان
لافتا إلى أن الدعم الأميركي المفتوح لإسرائيل، ليس بسبب قوة اللوبي اليهودي، وإنما لأنه يصب فعلا في المصلحة الأميركية، ولصالح قوى متدخلة عديدة ومؤثرة بعضها ثقافي وعنصري في جوهره، يجملها ليفين فيما يلي: "فإسرائيل تدار من قِبل أناس يشبهونناـ يعني البيض، واليهود والمسيحيين ـ في منطقة يهيمن عليها أناس لا يشبهوننا ـ يعني المسلمين، وذوي البشرة السمراء، غير الأوروبيين ـ والذين لا يرضون عموما عن الطريقة التي تمارس بها الولايات المتحدة نفوذها.
وبعضها إداري: تفويض السيطرة الإمبريالية الإقليمية؛ فإسرائيل بارعة في زعزعة استقرار قوى معادية كإيران، وسوريا، وفي كبح جماح مصر، ولبنان، والأردن. كما أنها مختبر أسلحة وميدان تجارب ضخم. ثم هناك أتباع الصهيونية المسيحية الذين يتطلعون إلى الجائزة الكبرى: مجيء يسوع. لذا، هناك أنواع كثيرة من الأمور المتداخلة".
ويبقى أن أشير ـ هنا ـ إلى أننا ربما لم ننتبه إلى تصريحات الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، في زيارته إسرائيل بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 مباشرة، وهي الأخطر على الإطلاق، وتعتبر مفتاحا لما استغلق علينا في فهم العقلية الأميركية وموقفها من منطقة الشرق الأوسط.
قالها بشكل لا يخلو من الصراحة الفجة والتحدي ولخصت كل ما يتعلق بأسرار العلاقة بين تل أبيب وواشنطن، عندما قال بدون مواربة: " إنه لو لم تكن إسرائيل موجودة، لكان علينا اختراعها".
المسألة ـ هنا في الغالب ـ لا تتعلق بـ"العقيدة/الطائفة اليهودية" وما ترتب عليها من "وهم /أساطيراللوبي اليهوي" وإنما تتعلق بالوظيفة والأداة المدرجة على أجندة صناع السياسات الكبرى في الولايات المتحدة الأميركية "المصالح".
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
إقرأ المزيد


