كيف يتم استثمار الغضب في إيران؟
الجزيرة.نت -

تأتي موجات الاحتجاج في إيران في سياق مركب، تتداخل فيه المطالب الشعبية الملحة مع ضغوط سياسية واقتصادية متراكمة، داخلية وخارجية على حد سواء.

فسنوات طويلة من العقوبات الغربية الواسعة فرضت على المجتمع الإيراني أعباء ثقيلة، انعكست مباشرة على مستوى المعيشة، وفرص العمل، والخدمات الأساسية، ما جعل الشارع الإيراني أكثر حساسية تجاه أي سياسات تمس حياته اليومية وكرامته الاجتماعية.

وفي ظل هذا الواقع الضاغط، برزت الاحتجاجات بوصفها تعبيرا عن قلق اجتماعي مشروع، ورغبة متزايدة في تحسين شروط العيش.

وفي المقابل، يطرح المشهد الإيراني مفارقة لافتة تتمثل في أن القوى الغربية التي أسهمت في تعميق هذا الحصار الاقتصادي هي نفسها التي تتصدر اليوم خطاب التضامن مع المحتجين، وانتقاد تعاطي السلطات مع الحراك.

وقد تعززت هذه المفارقة مع صدور تصريحات غربية (تهديد الرئيس الأميركي)، بينها تلويحات من أعلى المستويات السياسية بإمكانية التدخل العسكري بدعوى حماية الإيرانيين من القتل وانتهاك حقوقهم، وهو خطاب أعاد إلى الواجهة إشكالية الخلط بين الدعم الحقوقي، والتهديد باستخدام القوة.

ومن هنا، لا تبدو الاحتجاجات الإيرانية مجرد حدث داخلي معزول، بل حالة مركبة تستدعي قراءة قانونية وأخلاقية هادئة، تحاول فهم تفاعل الداخل مع الخارج، من دون اختزال المشهد في ثنائية القمع أو التبرير، بل في البحث عن موقع الإنسان الإيراني وحقوقه وسط هذا التشابك المعقد.

الخطاب الخارجي، إذا اتخذ نبرة الوصاية أو التهديد أو التلويح بخيارات قسرية، لا يعزز مطالب الناس بقدر ما يدخلها في معركة سيادة، وهي معركة يتقن النظام تعبئتها لصالحه، عبر إعادة تعريف الاحتجاج من مسألة حقوق وحريات إلى ملف أمن قومي

الخطاب الخارجي بين الدعم الحقوقي وتجاوز مبدأ عدم التدخل

لا يمكن قراءة الاحتجاجات في إيران خارج سياق دولي متوتر، فالعلاقة بين طهران والعواصم الغربية، وفي القلب منها واشنطن، ليست مجرد خلاف حول ملفات حقوقية، بل هو صراع ممتد على النفوذ والأمن الإقليمي، وعلى مستقبل التوازنات من الخليج إلى شرق المتوسط.

من هنا يبرز سؤال مشروع كلما اندلعت اضطرابات داخلية واسعة: هل يصدر الخطاب الخارجي بوصفه حماية لحقوق الإنسان، أم بوصفه استثمارا سياسيا في لحظة هشاشة داخلية؟

إعلان

في خضم موجات الاحتجاج، خرجت تصريحات غربية بدت أحيانا وكأنها تتجاوز لغة الإدانة الحقوقية إلى إيحاءات تغيير سياسي من الخارج.

وقد منحت بعض هذه التصريحات السلطة الإيرانية مادة دعائية ثمينة لتكريس سردية الضغط الخارجي "والحرب الهجينة"، وهو ما استثمرته طهران سريعا لتصوير المواقف الغربية على أنها دليل على نوايا زعزعة النظام لا حماية المتظاهرين.

وفي السياق نفسه، ينظر إلى الدعم الإسرائيلي العلني للاحتجاجات في إيران، من زاوية السلطة، بوصفه امتدادا طبيعيا لصراع مفتوح، ما يعزز حساسيتها تجاه أي خطاب خارجي، حتى لو كان حقوقيا، ويخلط في الوعي الداخلي بين التضامن والتدخل.

هنا تتشكل المعضلة المركزية، حين يتماهى خطاب الحقوق مع خطاب الخصومة الجيوسياسية، يختلط على الجمهور الداخلي حد الدعم وحد الإكراه.

فالخطاب الخارجي، إذا اتخذ نبرة الوصاية أو التهديد أو التلويح بخيارات قسرية، لا يعزز مطالب الناس بقدر ما يدخلها في معركة سيادة، وهي معركة يتقن النظام تعبئتها لصالحه، عبر إعادة تعريف الاحتجاج من مسألة حقوق وحريات إلى ملف أمن قومي.

وتشير تقارير متعددة إلى أن حصيلة الضحايا خلال موجات الاضطراب الأخيرة بلغت أرقاما مرتفعة من الجانبين، ما يعكس حجم الكلفة الإنسانية للصراع، حين يتجاوز الاحتجاج طابعه السلمي.

وفي خضم هذا التوتر، لجأت الدولة إلى قطع الإنترنت الخارجي وحصر الاتصال بالشبكات والتطبيقات الداخلية، في إجراء أوقف جزءا كبيرا من الحياة العامة بدعوى منع التعبئة والتأثير الخارجي.

وفي المقابل، يلفت التردد الأميركي إزاء أي تصعيد عسكري مباشر إلى احتمال تغليب تسويات سياسية أوسع، يغض فيها النظر عن الواقع الداخلي مقابل تفاهمات تتعلق بالمصالح الإقليمية وإعادة ضبط العلاقة مع طهران. وهو ما يوحي بأن مسارات الاحتجاج والضغط والتهدئة كثيرا ما تدار في النهاية وفق منطق المصالح المتبادلة، لا وفق اعتبارات حقوقية خالصة.

من منظور القانون الدولي، يعد مبدأ عدم التدخل حجر الزاوية في تنظيم العلاقات بين الدول. وقد نص ميثاق الأمم المتحدة في المادة 2 (7) على عدم جواز التدخل في المسائل التي تعد من الصلاحية الداخلية للدول، ولا سيما ما يتصل بنظام الحكم والأمن الداخلي، إلا في حالات استثنائية تقر جماعيا.

ومن هذا المنطلق، يظل أي دعم خارجي لحركة احتجاجية داخلية مسألة شديدة الحساسية، خصوصا في الدول السلطوية التي توسع مفهوم التدخل ليشمل حتى الدعم الخطابي أو التقني. ومع ذلك، لا يخلو النظام الدولي المعاصر من نقاشات أخلاقية وقانونية متصارع عليها، مثل مقاربات مسؤولية الحماية، وإن كانت شروطها الصارمة وتوافقها الدولي النادر يجعل تطبيقها خارج حالات الإبادة أو الجرائم الجماعية الكبرى محل جدل واسع.

في الحالة الإيرانية، ورغم خطورة الوضع الميداني، فإن توصيف الوضع على نحو يبرر تدخلا عسكريا خارجيا يظل مرفوضا قانونيا وواقعيا في آن، لغياب التفويض الدولي ولخطورة تداعياته الإقليمية.

ومع ذلك، اتسعت في لحظات التصعيد مساحة التكهنات حول خيارات أخرى، وهو ما جعل العالم يحبس أنفاسه خشية انزلاق الوضع نحو مواجهة أوسع، تدرك جميع الأطراف أن أي شرارة فيها قد تشعل حربا إقليمية لا تحمد عقباها.

إعلان

وقد عبرت قوى إقليمية ودولية عن هذا القلق صراحة. فحتى دول تختلف سياسيا مع طهران أبدت تحفظا على أي مغامرة عسكرية، فيما شددت روسيا، والصين على رفض استخدام القوة أو التهديد بها، دفاعا عن مبدأ عدم التدخل، وخشية من سابقة قد تستغل ضدهما مستقبلا.

في المقابل، يجادل الغرب بأن انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة لم تعد شأنا داخليا صرفا، وأن للمجتمع الدولي حقا بل واجبا في التحرك السلمي للضغط من أجل وقفها، مؤكدا أن خطواته لا تهدف إلى فرض بديل سياسي، بل إلى دعم الشعب الإيراني في سعيه نحو حياة حرة وكريمة.

وبين هذين المنظورين المتعارضين- حماية الحقوق الكونية واحترام سيادة الدول- يقع الخط الفاصل الدقيق الذي يحدد مشروعية الخطاب الخارجي.

فالدعم الحقوقي المشروع هو ذاك الذي يركز على حماية الإنسان وفتح المجال العام، من دون تحويل الاحتجاج إلى أداة في صراع دولي أوسع. أما تجاوز هذا الحد، عبر الإكراه أو التهديد أو تسييس المطالب الشعبية، فلا يخدم حقوق الإيرانيين بقدر ما يمنح السلطة ذريعة إضافية لتشديد إغلاق الأفق السياسي باسم الدفاع عن السيادة.

بين التضامن الحقوقي وتسييس المظلومية: أين يقف مبدأ السيادة؟

يعد التفريق بين التضامن الحقوقي المشروع، وخرق مبدأ السيادة، أحد أعقد الأسئلة التي تطرحها الاحتجاجات الإيرانية في سياقها الدولي. فمن حيث المبدأ، لا يحظر القانون الدولي على الدول إدانة انتهاكات حقوق الإنسان أو التعبير عن القلق والدعوة إلى المحاسبة عبر الآليات الأممية، بل إن مثل هذه المواقف تعد في كثير من الأحيان واجبا أخلاقيا يهدف إلى حماية الضحايا وإبقاء قضيتهم حية في الوعي العالمي.

كما أن فرض عقوبات موجهة على مسؤولين أو أجهزة متورطة في القمع ينظر إليه، من زاوية غربية، كأداة ضغط سلمية تقع دون عتبة الحرب، وإن بقيت محل جدل سياسي وأخلاقي.

غير أن الإشكال يبدأ حين يتجاوز الدعم الخارجي هذه الحدود إلى مستوى الإكراه أو التهديد. فالتسليح السري، أو التمويل بغرض إسقاط النظام، أو التلويح بالخيار العسكري، حتى وإن لم ينفذ، يشكل كل ذلك انتهاكا صريحا لمبدأ عدم التدخل، ويحول الاحتجاج من مسألة حقوق وحريات إلى ملف صراع دولي.

وتجربة الانقلاب على حكومة محمد مصدق عام 1953 لا تزال حاضرة في الذاكرة الإيرانية كشاهد على تدخل خارجي قلب المسار الداخلي، وهو ما يفسر سرعة استدعاء خطاب المؤامرة الأجنبية كلما تصاعد الضغط الخارجي.

في الواقع الراهن، لا تتوافر أدلة مؤكدة على تورط مادي مباشر لأجهزة غربية في إشعال الاحتجاجات، التي اندلعت أساسا بفعل مظلومية داخلية متراكمة. بيد أن التأثيرات غير المباشرة، كالدعم الإعلامي الواسع، وتسهيل الوصول إلى منصات التواصل، وكسر القيود التقنية، تضع الخطاب الخارجي في منطقة رمادية: يراها المحتجون دعما مشروعا لكشف الحقيقة، فيما تصفها السلطة بتدخل تخريبي يمس سيادتها ويقوض سيطرتها.

وتتعقد الصورة أكثر مع المظلومية الإيرانية نفسها. فلا شك أن الشعب الإيراني يحمل مظلومية حقيقية تستحق الحماية والإنصاف، لكن التاريخ يظهر كيف يمكن لمظالم الشعوب أن تتحول إلى أدوات في صراعات القوى الكبرى.

فمن منظور السلطة، ينظر إلى الدعم الغربي والإسرائيلي للاحتجاجات بوصفه محاولة لاستنزاف النظام وربما إسقاطه، تحت غطاء حقوق الإنسان. في المقابل، ترى المعارضة الإيرانية أن هذه الرواية تخفي جوهر المشكلة: فالمظلومية ذاتية المنشأ، والمسؤولية الأولى تقع على عاتق النظام.

وبين هذين المنظورين، يبرز موقف ثالث داخل الشارع الإيراني يرفض أي تدخل عسكري خارجي، ويتمسك بالتغيير من الداخل، مع قبول ضغط دولي سياسي واقتصادي يردع القمع من دون فرض بدائل جاهزة.

غير أن مصداقية الخطاب الحقوقي الغربي تبقى موضع تساؤل واسع، في ظل ازدواجية المعايير التي تظهر حماسة عالية تجاه إيران مقابل صمت أو تساهل مع انتهاكات جسيمة لدى إسرائيل. هذا الكيل بمكيالين يضعف ثقة الشعوب في النوايا المعلنة، ويجعل الدعم، حتى عندما يكون مشروعا، عرضة للتفسير بوصفه استغلالا للمظلومية لا دفاعا مبدئيا عنها.

إعلان

وتتعرض مصداقية الخطاب الحقوقي الغربي لاهتزاز عميق حين تقارن ردود فعله الغاضبة إزاء ما يجري في إيران بصمته، بل ودعمه السياسي والعسكري، لانتهاكات موثقة بالصوت والصورة بحق المدنيين الفلسطينيين، حيث قتل أكثر من سبعين مدنيا في وقائع حديثة دون أن تستدعي الحد الأدنى من الغضب أو المحاسبة.

إن إدانة قتل أي متظاهر واجب أخلاقي لا نقاش فيه، كما أن لجوء المحتجين إلى السلاح أو العنف مرفوض مبدئيا؛ لأنه ينسف الطابع السلمي لأي حراك ويبرر القمع.

لكن الانتقائية في الدفاع عن الحقوق، والتسامح مع القتل حين يكون الضحية فلسطينيا مثلا، يقوضان الأساس الأخلاقي الذي يستند إليه الخطاب الغربي، ويحولان حقوق الإنسان من قيمة كونية إلى أداة سياسية تستدعى حين تخدم المصالح، وتهمل حين تعاكسها.

إن الخط الفاصل دقيق للغاية: التضامن الحقوقي المشروع هو ذاك الذي يحمي الإنسان ويعزز قدرته على تقرير مصيره بنفسه، من دون تحويله إلى أداة في صراع القوى.

أما حين يتحول الخطاب الخارجي إلى وسيلة إكراه أو تهديد أو هندسة تغيير سياسي من الخارج، فإنه لا يخدم حقوق الإيرانيين بقدر ما يمنح السلطة ذريعة لتشديد القمع وإغلاق المجال العام باسم الدفاع عن السيادة.

إن المظلومية الإيرانية تستحق الحماية لا الاستغلال، وحمايتها تقتضي إبقاء مركز القرار داخل المجتمع الإيراني نفسه، بحيث يكون أي تغيير محتمل نابعا من إرادة داخلية حرة وقادرا على الاستدامة.

وفي هذا الإطار، يبرز تساؤل عملي لا يقل أهمية عن الخطاب الحقوقي ذاته: هل يخدم الشعب الإيراني استمرارُ العقوبات الواسعة التي أثقلت كاهله، أم إن رفعها التدريجي والانخراط في اتفاقات متوازنة تراعي مصالح جميع الأطراف يمكن أن يفتحا أفقا أقل توترا وأكثر قدرة على معالجة القضايا الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية معا؟

وتكمن أهمية هذا السؤال في الدروس القاسية التي خلفتها تجارب سابقة في المنطقة، وعلى رأسها التجربة العراقية. فالعراق خضع لحصار دولي خانق امتد من عام 1990 حتى عام 2003، ألحق أضرارا عميقة بالمجتمع والبنية الاقتصادية.

ورغم إنشاء برنامج "النفط مقابل الغذاء" عام 1995، ودخوله حيز التنفيذ في 1996، فإن الكلفة الإنسانية ظلت فادحة، ودفع ثمنها المدنيون، ولا سيما الأطفال والفئات الأضعف، باسم سياسات رفعت تحت شعارات أخلاقية وإنسانية.

إلى جانب ذلك، شكلت قضية أسلحة الدمار الشامل العراقية ولجان التفتيش الدولية مثالا إضافيا على خطورة تسييس الملفات الحساسة. فسنوات طويلة من التفتيش الأممي المكثف، وما رافقها من اتهامات بامتلاك أسلحة نووية وبيولوجية وكيميائية، انتهت بعد الاحتلال عام 2003 إلى الإقرار بعدم وجود تلك الأسلحة، ما كشف لاحقا أن هذه الذريعة كانت، في أحسن الأحوال، مبنية على تقديرات خاطئة، وفي أسوئها استخدمت غطاء لعمل عسكري واسع انتهى باحتلال العراق كاملا وتفكيك دولته ومؤسساته. ومن دفع الثمن كان المجتمع العراقي بأكمله الذي دخل في دوامة عنف دامٍ وعدم استقرار ما زالت آثارها قائمة حتى اليوم.

من هنا، تبدو أي مقاربة غربية تزعم الدفاع عن حقوق الإيرانيين منقوصة ما لم تقترن بمراجعة جادة لأدوات الضغط نفسها. فالعقوبات الشاملة، والتدويل الانتقائي للملفات الحقوقية، والتلويح بخيارات قسرية، قد تضعف المجتمع أكثر مما تحميه.

في المقابل، قد يكون رفع العقوبات، والانخراط في مسار تفاوضي متوازن يحترم السيادة ويأخذ في الاعتبار المصالح المتبادلة، مدخلا أكثر انسجاما مع قيم حقوق الإنسان ومع الدروس المستفادة من تاريخ قريب لم تندمل جراحه بعد.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



إقرأ المزيد