سوء تقدير الزُبيدي لتحولات اليمن والإقليم: قراءة في الزيارات الثلاث إلى نيويورك
الجزيرة.نت -

أحيانا تكشف السياسة التحول الحقيقي في أشياء تبدو عادية: فعالية تتكرر كل عام ثم تختفي فجأة، أو مقابلات تخرج عبر منصات بعينها فتوضح ما الذي أمكن قوله علنا وما الذي تعذر، أو تصريحات رسمية تحمل رسائل فيلتقطها طرف ويتجاوزها طرف آخر.

ومن هذا المدخل تأتي هذه القراءة التي تتابع زيارات عيدروس قاسم الزُبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي (المنحل) وعضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني (المعزول) المتتالية إلى نيويورك، وكيف انتقلت من هامش واسع في 2023 و2024 إلى هامش أضيق في 2025، ثم كيف يمكن فهم هذا التحول بوصفه إشارة مبكرة لما تلاه من تحولات، وما الذي كشفه ذلك عن سوء تقديره للمؤشرات التي كانت تتشكل.

زار الزبيدي نيويورك ثلاث مرات متتالية بين 2023 و2025 خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهي المناسبة السنوية التي تُعرف إعلاميا بأسبوع الجمعية العامة مع توافد الوفود وتكثف اللقاءات، وفي كل مرة جاء إلى الولايات المتحدة ضمن وفد رسمي يمثل الجمهورية اليمنية، في وقت يقود فيه كيانه المسمى بالمجلس الانتقالي الجنوبي الذي يدفع باتجاه الانفصال عنها.

جاءت الزيارة الثالثة بعد توتر واضح داخل مجلس القيادة؛ لأن الزبيدي دفع قبل السفر بقرارات تعيين أصدرها منفردا. شملت هذه القرارات تعيين نائب لوزير، إلى جانب نواب محافظين ووكلاء ورؤساء هيئات، ولم تمر عبر التوافق المعتاد داخل المجلس، ولم توقَع من رئيسه

وهي مفارقة تجعل أي نشاط له على الهامش شديد الحساسية، وتحول تفاصيل الزيارة إلى مؤشرات على اتساع المساحة المتاحة أو ضيقها، ولهذا تحديدا تزداد دلالة هذه المؤشرات؛ لأن الولايات المتحدة تملك وزنا مؤثرا في ملف اليمن داخل مجلس الأمن ومسار التسوية، لذلك يقرأ كثيرون ما يظهر في نيويورك كإشارة تتجاوز المشهد العابر وتمتد آثارها إلى الداخل.

يتتبع هذا المقال ما تغير بين 2023 و2025، ثم يتوقف عند الزيارة الثالثة في 2025 بوصفها لحظة انكشاف لما تراكم من تعثر في قراءة المؤشرات وسوء تقدير للمتغيرات التي طرأت بين الزيارتين الأولى والأخيرة: تراجع الفعل الحزبي العلني، وحصر الظهور في قنوات محددة، ثم صدور موقف رسمي لاحق يرسم حدودا واضحة لفكرة حل الدولتين، قبل أن تصل الأزمة إلى ذروتها في مطلع 2026.

إعلان

هذه الزيارات لم تكن مجرد تكرار سنوي؛ لأن كل مرة جاءت بميزان مختلف للهامش المتاح بين الصفة الرسمية والنشاط السياسي الموازي.

لذلك رسمت كل زيارة حدا مختلفا للمسافة بين صفتين ظل الزبيدي يجمع بينهما: عضو مجلس القيادة الرئاسي للجمهورية اليمنية، ورئيس المجلس الانتقالي الذي يدفع بمشروع انفصالي. في 2023 و2024 بدا أن الجمع بين وظيفة الموقعين ممكن دون كلفة كبيرة، ثم جاءت 2025 لتُظهر أن المساحة تضيق، وهو ما جعل المؤشرات التي حملتها الزيارة الثالثة أكثر حساسية ودلالة.

زيارتان وفعاليات مباشرة

زار عيدروس الزبيدي نيويورك في سبتمبر/أيلول 2023، بعد نحو عام ونصف من تعيينه عضوا في مجلس القيادة الرئاسي، ضمن وفد الشرعية المشارك في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتناول في الإعلام القضية الجنوبية خلال أسبوع الجمعية العامة.

وفي الوقت نفسه نشرت منصات المجلس الانتقالي أخبارا عن مشاركته في لقاء مفتوح مع أنصاره من أبناء المهجر في الولايات المتحدة وكندا على هامش الزيارة الأولى.

كانت الصورة يومها واضحة: حضور رسمي داخل وفد الدولة، ثم لقاء مفتوح مع أنصاره خارج القاعات الرسمية ألقى فيه خطابا سياسيا موجها للجمهور يروج لمشروع المجلس الانتقالي بوصفه طريقا للانفصال، وهو مضمون يتعارض عمليا مع موقعه الرسمي كعضو في مجلس قيادة دولة واحدة، دون أن تتحول المسألة يومها إلى أزمة علنية.

اتسعت الصورة أكثر في الزيارة الثانية إلى نيويورك في سبتمبر/أيلول 2024؛ إذ عاد الزبيدي ضمن وفد اليمن المشارك في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ثم بدت لقاءاته مع أنصاره من أبناء الجالية أوضح وأقرب إلى برنامج موازٍ للزيارة.

وسارع الموقع الرسمي للمجلس الانتقالي إلى نشر خبر مشاركته في احتفال للجالية الجنوبية في بافلو وروتشستر وكندا، وأورد مقتطفات من كلمته هناك، في حين تجاهلت المواقع الإخبارية الحكومية تغطية هذه الفعاليات.

عند هذه النقطة لم يعد اللقاء مجرد مناسبة اجتماعية عابرة، لأنه تحول إلى محطة معلنة تُستخدم لإيصال خطاب سياسي تعبوي، ولتقديم الزيارة إعلاميا على أنها تجمع بين حضور ضمن وفد الدولة من جهة، وخطاب الانتقالي الموجه لأنصاره من جهة أخرى.

الزيارة الثالثة بحقيبة ألغام

جاءت الزيارة الثالثة بعد توتر واضح داخل مجلس القيادة؛ لأن الزبيدي دفع قبل السفر بقرارات تعيين أصدرها منفردا. شملت هذه القرارات تعيين نائب لوزير، إلى جانب نواب محافظين ووكلاء ورؤساء هيئات، ولم تمر عبر التوافق المعتاد داخل المجلس، ولم توقَع من رئيسه.

قرأ خصومه هذا المسار بوصفه تجاوزا لآلية الشراكة ومحاولة لفرض نفوذ داخل مؤسسات الدولة، لذلك دخل نيويورك وهو يحمل أثر أزمة لم تُغلق بعد، ولم يعد يتحرك بالهامش نفسه الذي سمح له بمزج الصفتين في زيارتين سابقتين.

وزاد تضارب الرسائل عندما نقل كاتب الغارديان باتريك وينتور اقتباسا للزبيدي يتحدث فيه عن حل الدولتين بوصفه خيارا نهائيا، وهو طرح بدا متعارضا مع حضوره ضمن وفد دولة واحدة. وفي المقابل، غاب اللقاء العلني المفتوح داخل القاعات مع أنصاره من أبناء الجالية، وهو غياب صنع فارقا ملموسا مهما اختلفت أسبابه.

إعلان

هنا ظهرت المقابلات بوصفها البديل الأكثر أمانا. ظهر الزبيدي أساسا في سكاي نيوز عربية وصحيفة The National، وهما منصتان تمنحان مساحة مضمونة داخل بيئة الرعاية الإماراتية التي يستند إليها الانتقالي سياسيا وإعلاميا.

ولم يأتِ هذا الظهور بوصفه حضورا إعلاميا عابرا، لأن مضمون الحديث حمل ما يشبه خطاب القاعات. في The National قدم استقلال الجنوب اليمني كخيار جاهز، وربط قيام دولة جنوبية مستقلة بإمكان اتخاذ قرارات خارجية تخص الجنوب، ثم أشار صراحة إلى أن ذلك يشمل خيار الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام عندما يكون لهم دولتهم الجنوبية.

وفي سكاي نيوز عربية دافع عن قرارات التعيينات، واعتبرها من صلاحياته وحقا للانتقالي وشعب الجنوب، وقدم تبريرا سياسيا لها يقوم على ضعف أداء مؤسسات الدولة، واتهم خصومه داخل الشرعية بعرقلة ما سماه النهوض، ودعا إلى آلية تشاركية لصنع القرار داخل مجلس القيادة.

وتزامن هذا التحول مع روايات ترددت عن حساسية واشنطن من أن تتحول زيارة تتم بصفة رسمية إلى منصة نشاط انفصالي علني على الأراضي الأميركية، لكن لا يوجد بيان أميركي منشور يحسم ذلك، غير أن غياب اللقاء المفتوح هذه المرة جعل هذه الروايات أكثر تداولا.

وبهذه الصورة انتقلت رسالة الزبيدي من القاعات إلى الشاشات، وبدا أن الزيارة الثالثة لم تعد مجرد تكرار، لأنها كشفت تقلص الهامش الذي كان يظن أنه ما زال قائما كما كان.

بعد أسابيع من زيارة نيويورك، صدر موقف رسمي أنهى كثيرا من الجدل الذي كان يتوسع حول فكرة حل الدولتين في اليمن، وفي هذا الإطار، سألت صحيفة (أخبار الخليج) البحرينية وزير الخارجية شائع الزنداني عن هذا الطرح وعن نظرة المجتمع الدولي إليه، فجاء رده واضحا ومباشرا: لا توجد أي مقترحات فعلية على أرض الواقع بهذا الخصوص.

ثم أوضح ما تراه الحكومة مسارا ممكنا، فتحدث عن الحاجة إلى شراكات وطنية حقيقية، وعن توجه لمعالجة قضايا اليمنيين ومطالب القوى المختلفة عبر حلول متوازنة وعادلة تلبي احتياجات الجميع. وبهذا وضع الخطاب الرسمي مسافة بين ما يتداول في الإعلام والسياسة، وبين ما تريد الدولة أن تبقيه ضمن إطار وطني جامع.

هذا الرد لا يعني بالضرورة أن الوزير كان يوجه كلامه إلى الزبيدي بالاسم أو أنه يرد عليه مباشرة، فالسؤال جاء عاما، فكان الرد تعبيرا عن الموقف الرسمي الذي يجب أن يتبناه كل مسؤول في الدولة اليمنية، لذلك منح التوقيت حديث وزير الخارجية دلالة إضافية؛ إذ جاء بعد أسابيع من تداول فكرة حل الدولتين في سياق نيويورك، فبدا الرد كأنه يعيد النقاش إلى خطوطه الرسمية، ويحدد اللغة التي تقبل الدولة أن تُعرف بها هذا الملف.

ومن هنا بدت الزيارة الثالثة في 2025 إشارة مبكرة لما تلاها، فقد سبقتها أزمة التعيينات التي فجرها الزبيدي قبل السفر، ثم ظهر حديث حل الدولتين في الإعلام الدولي، وغاب اللقاء العلني المفتوح داخل القاعات مع أنصاره من أبناء الجالية كما حدث في زيارتين سابقتين، وانتقلت رسالته إلى منابر إماراتية، ثم جاء موقف الخارجية لاحقا ليؤكد موقف الدولة وحدود خطابها في هذه النقطة، وبعد ذلك تصاعدت التناقضات داخل الشرعية ومعها التوتر الإقليمي، وانتهى المشهد بقرار رسمي سحب عضويته وإحالته للنيابة بتهم من ضمنها الخيانة العظمى وفق النص المنشور.

تسلسل مسار وتعثر خطى

يمكن قراءة تسلسل الأحداث بصورة أبسط إذا رتبناها زمنيا. ففي 2023 و2024 شارك الزبيدي في لقاءات علنية داخل قاعات مع أنصاره من أبناء الجالية في الولايات المتحدة على هامش زيارتيه، وألقى خطابات تعبوية مرتبطة بمشروع الانتقالي، وهي خطابات تصطدم عمليا بموقعه الرسمي كعضو في مجلس القيادة الرئاسي لدولة واحدة.

جاءت زيارة 2025 بعد ذلك بصورة مغايرة؛ لم تظهر لقاءات مفتوحة مماثلة، فتقدمت المقابلات التلفزيونية والصحفية عبر منصات أقرب إلى خطابه لتصبح البديل. وبعدها بأسابيع صدر الموقف الرسمي الذي حدد ما يمكن تقديمه بوصفه خيارا قائما في ملف "حل الدولتين". ثم واصل الخلاف داخل الشرعية تصاعده إلى أن بلغ مرحلة إقالته، وحل مجلسه الانتقالي، وتفكيك أذرعه العسكرية وفروعه المدنية.

إعلان

بهذا تكشف زيارات نيويورك الثلاث تعثر الزبيدي في قراءة مؤشرات اللحظة السياسية؛ إذ تعامل مع تضييق الهامش ومع حدود الخطاب الرسمي حول "حل الدولتين" كما لو أنها قابلة للتجاوز، بينما كانت تؤسس لقيود جديدة انتهت إلى محطة مفصلية في مطلع 2026 أخرجته من المشهد السياسي متهما ومطلوبا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



إقرأ المزيد