الجزيرة.نت - 1/19/2026 2:09:50 AM - GMT (+3 )
Published On 19/1/2026
|آخر تحديث: 01:51 (توقيت مكة)
شارِكْ
باشرت اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة أعمالها رسميا، عقب اجتماعها الأول الذي عقد في القاهرة برئاسة مفوضها العام علي شعث، حيث أعلنت اللجنة اعتماد وتوقيع بيان مهمة اللجنة المكلفة بإدارة الشؤون المدنية والأمن الداخلي في القطاع، والإشراف على استقراره، في إطار الترتيبات المرتبطة بالمرحلة الثانية من خطة التعامل مع غزة.
وأوضح شعث أن تفويض اللجنة يشمل مسؤوليات واسعة، من بينها إرساء الأمن الداخلي، واستعادة خدمات الكهرباء والمياه، وتعزيز منظومتي الصحة والتعليم، والعمل على إعادة إعمار قطاع غزة، ليس فقط على مستوى البنية التحتية، وإنما على مستوى إعادة بناء المجتمع، بما يضمن الاستقرار والكرامة والاستدامة والعدل، مع تبني السلام سبيلا لتحقيق الحقوق الفلسطينية وحق تقرير المصير.
غير أن بيان انطلاق اللجنة، الذي اتسم بطابع بروتوكولي، لم يقدم تصورا تفصيليا لمفهوم الحقوق الفلسطينية أو آليات تحقيق تقرير المصير، ما فتح باب التساؤلات بشأن طبيعة أهداف اللجنة، وحدود دورها السياسي، وقدرتها على تنفيذ المهام المعلنة في ظل واقع سياسي وأمني معقد.
وفي هذا السياق، اعتبر أستاذ النزاعات الدولية بمعهد الدوحة للدراسات العليا إبراهيم فريحات، في حديثه لبرنامج مسار الأحداث على قناة الجزيرة، أن مضمون البيان يعكس انسجاما واضحا مع الخطة الدولية لإدارة قطاع غزة، مؤكدا أن المرجعية الأساسية للجنة ليست مرجعية وطنية فلسطينية تقليدية، بل مرجعية دولية تتمثل في "مجلس السلام" الذي يرأسه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والمنبثق عن الخطة الأميركية وقرارات مجلس الأمن.
مجلس السلاموأوضح فريحات أن اللجنة تعمل ضمن رؤية دولية أوسع تركز في مرحلتها الحالية على الإغاثة وإعادة الإعمار والاستثمار، بعيدا عن البعد السياسي والسيادي الفلسطيني، مشيرا إلى أن القضايا السياسية الكبرى، بما فيها تقرير المصير والقرار السيادي، ليست من اختصاص اللجنة، وإنما تقع ضمن صلاحيات مجلس السلام، فيما تقتصر مهمة اللجنة على إدارة الشأن المحلي والخدماتي.
إعلان
وأضاف أن غياب الحسم في الملفات الأمنية، وعلى رأسها مسألة نزع السلاح وتشكيل قوة الاستقرار الدولية، يمثل تحديا مركزيا أمام قدرة اللجنة على العمل، لافتا إلى أن الجانب الأمني يعد المدخل الأساسي لأي عملية إعادة إعمار أو استثمار مستدام.
من جهته، رأى الكاتب والمحلل السياسي أحمد الطناني، من غزة، أن بيان اللجنة يمثل إعلانا رسميا لانطلاق عملها، بعد نقاش وطني فلسطيني مطول شاركت فيه الفصائل المختلفة، مؤكدا أن الفصائل الفلسطينية، بما فيها حركة حماس، معنية بإنجاح عمل اللجنة، باعتبارها مدخلا عمليا للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.
وأوضح الطناني أن الفصائل تنظر إلى اللجنة باعتبارها وسيلة لإنهاء الذرائع الإسرائيلية التي كانت تروج لاستمرار حكم حماس للقطاع، ولتحرير الملفات الإنسانية العالقة، لا سيما تلك المرتبطة بالبروتوكول الإنساني الذي لم تلتزم إسرائيل بتنفيذه في المرحلة الأولى من الاتفاق.
وأشار إلى أن فكرة تشكيل اللجنة ليست جديدة، بل طرحت فلسطينيا منذ أكتوبر/تشرين الأول 2024، وشاركت مصر في صياغة تفاصيلها الداخلية، غير أن التباينات الفلسطينية والضغوط الإسرائيلية حالت دون انطلاقها في حينه، مؤكدا وجود التفاف وطني حالي حول اللجنة، مع بقاء مخاوف تتعلق بعدم تحولها إلى أداة لتفكيك النظام السياسي الفلسطيني أو تجاوز المرجعيات الوطنية.
إسرائيل والواقع الجديدفي المقابل، قال الأكاديمي والخبير في الشؤون الإسرائيلية مهند مصطفى إن إسرائيل تنظر إلى تشكيل اللجنة باعتباره انتقالا إلى المرحلة الثانية من الترتيبات الخاصة بغزة بطريقة لم تكن ترغب بها، مشيرا إلى أن إدخال تركيا وقطر ضمن اللجنة التنفيذية لمجلس السلام، وتحول اللجنة الوطنية إلى العنوان الأساسي لإدارة القطاع، يضع إسرائيل أمام واقع جديد.
وأضاف مصطفى أن إسرائيل فقدت الذريعة التي كانت تعتمد عليها بالقول إن حركة حماس ما زالت تحكم قطاع غزة، موضحا أن العنوان الحالي بالنسبة لإسرائيل أصبح اللجنة الوطنية ومجلس السلام، وهو ما يقلص هامش المناورة الإسرائيلية، لكنه في المقابل يدفعها إلى الضغط عبر أدوات أخرى، من بينها التحكم بالمعابر، وعدم الانسحاب من المناطق التي تسيطر عليها، ومواصلة المطالبة بنزع سلاح الفصائل الفلسطينية.
وأكد أن إسرائيل تسعى إلى إبقاء عمل اللجنة محصورا في الجانب الإنساني والإغاثي، مع رفض أي مسار قد يؤدي إلى عودة السلطة الفلسطينية بشكل غير مباشر إلى القطاع، أو يحد من السيطرة الأمنية الإسرائيلية.
توفير التمويل اللازموفي واشنطن، عبر المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأميركية توماس واريك عن ترحيب الإدارة الأميركية بانعقاد الاجتماع الأول للجنة، مؤكدا رضاها عن تركيبتها، لكنه شدد على أن نجاح عملها مرهون بتوفير التمويل اللازم، وتشكيل قوة الاستقرار الدولية، والتقدم في ملف نزع سلاح حركة حماس.
وأوضح واريك أن الدول المانحة، وخصوصا العربية منها، مترددة في تقديم أموال إعادة الإعمار في ظل استمرار وجود السلاح، مشيرا إلى أن مؤتمر «دافوس» المرتقب قد يشكل محطة حاسمة لمعرفة قدرة الرئيس ترامب على حشد التمويل والدعم العسكري لإنجاح الخطة.
إعلان
وفي السياق ذاته، أوضح البرنامج قيام إسرائيل بتعطيل خروج رئيس اللجنة الوطنية عبر جسر الملك حسين لعدة ساعات، قبل السماح له بالمغادرة بتدخل أميركي، يعكس طبيعة التحديات التي قد تواجه اللجنة، وسط انتقادات داخل حكومة بنيامين نتنياهو وخارجها لموافقته على الترتيبات الأميركية الخاصة بغزة.
وأجمع المشاركون في برنامج مسار الأحداث على أن انطلاق عمل اللجنة الوطنية لإدارة غزة يمثل خطوة مفصلية في مسار التعامل مع القطاع، لكنها تبقى محاطة بتحديات جسيمة، تتعلق بالتمويل، والصلاحيات، والملف الأمني، وسلوك إسرائيل على الأرض، إضافة إلى التباين الأميركي–الإسرائيلي حول أولوية نزع السلاح، في وقت يبقى فيه نجاح اللجنة مرهونا بقدرتها على العمل ميدانيا، وتخفيف المعاناة الإنسانية، وفتح أفق حقيقي لإعادة إعمار قطاع غزة.
إقرأ المزيد


