تحالف ثلاثي لمواجهة إسرائيل
الجزيرة.نت -

شهدت الأيام الماضية حراكا دبلوماسيا مكثفا لوقف الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، فقد أجرت كل من السعودية، وقطر، وعُمان، وتركيا اتصالات مع الإدارة الأميركية لإبعاد شبح الحرب وإيجاد أرضية مناسبة لحل الإشكاليات والملفات العالقة عبر الدبلوماسية والحوار، في وقت ما زالت فيه الإدارة الأميركية تدرس خياراتها العسكرية.

مخاطر الفراغ في إيران

تكمن خطورة الحرب على إيران، وتفكيك النظام الإيراني أو إضعافه في تداعياتها الإقليمية الخطيرة الناشئة من البعد الداخلي؛ فإضعاف النظام أو إسقاطه، يطرح سؤالا مشروعا عن البديل وعمن سيملأ الفراغ؟

النظام الإيراني يتسم ببنيته القوية، وسيطرته الكبيرة على مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية والسيادية، وانهياره أو تراجعه سيحدث فراغا هائلا في بلد كإيران، لن تستطيع واشنطن ملأه وهي لا تريد أصلا، ومن المشكوك فيه امتلاكها بديلا إيرانيا يحظى بشعبية قوية داخليا، ما سيؤدي إلى مسارات كارثية محتملة على النحو التالي:

  • أولا: فوضى داخلية قد تُفضي لموجات من الاقتتال بين من يؤيد النظام بمرجعيته الدينية (ولاية الفقيه) ومن يعارض النظام ومرجعيته الإسلامية، وبين من يرفض الهيمنة الأميركية، وبين من يرحب بالتدخل الأميركي.
  • ثانيا: ضعف الدولة المركزية، وقبضتها الأمنية، ما قد يحرك الرغبة الانفصالية لدى بعض العرقيات غير الفارسية، لا سيما في أطراف الجغرافيا الإيرانية؛ حيث العرق التركي الأذري، والكردي شمال غرب إيران بنسبة سكانية تصل معا لنحو 25%، ناهيك عن العرب في الأهواز وعبادان جنوب غرب إيران حول شط العرب والخليج، وقبائل البلوش جنوب شرق إيران مع باكستان، واللور في الغرب وجنوب غرب إيران.. وعرقيات أخرى.
  • ثالثا: تدخل روسيا والصين بشكل مباشر أو غير مباشر لمنع التموضع الأميركي في إيران؛ فالسكوت عن تغيير النظام الإيراني بالقوة يعني ترسيخ النهج الأميركي الجديد على حساب المرجعيات الدولية كالأمم المتحدة، والقانون الدولي الناظم للعلاقات الدولية.

إعلان

وإذا تحولت إيران إلى تابع لواشنطن، فهذا يعني أن الجيش الأميركي سيصبح مشاطئا للحدود الروسية الجنوبية عبر بحر قزوين، وقريبا أيضا من الحدود الغربية للصين التي تفصلها أفغانستان عن شرق إيران.

هذا التغير المحتمل في الجغرافيا السياسية، ربما يدفع روسيا بالتنسيق مع الصين للتدخل ضد التموضع الأميركي في إيران، إما بشكل مباشر أو بالوكالة عبر دعمهما قوى تقاتل أميركا أو حلفاءها في طهران الجديدة، ما يوسع دائرة الاشتباك الخشن وتصبح إيران جغرافيا ملتهبة، ومسرحا لصراع القوى الكبرى.

الاقتصاد والهجرة وأمن الحدود

تلك المسارات المتوقعة، سيكون لها نتائج سلبية كبيرة على دول المنطقة ولا سيما تركيا، ودول الخليج العربي، والعراق، وأفغانستان، وباكستان، والصين، وروسيا.

التداعيات السياسية والأمنية في إيران ستنعكس حكما على أمن دول الجوار؛ حيث من المتوقع أن تشهد الحدود المشتركة نشاطا لتهريب الأسلحة وتهريب البشر، وموجات كبيرة من هجرة الإيرانيين عبر الحدود البرية، أو عبر الخليج العربي.

وليس مستغربا في هذا السياق، أن قامت تركيا في الأشهر الماضية باستكمال بناء وتركيب 203 أبراج كهروضوئية، وبناء 380 كيلومترا من الجدران الخرسانية، وحفر 553 كيلومترا من الخنادق على طول الحدود مع إيران، بعد الحرب الإسرائيلية على إيران في يونيو/حزيران 2025، وتحسبا لتجدد العدوان الأميركي الإسرائيلي على طهران.

ناهيك عن التداعيات الاقتصادية المباشرة، باضطراب أسواق النفط عالميا، حيث يمر 25% من النفط المنقول بحريا عبر مضيق هرمز.

علاوة على توقف التجارة أو اضطرابها مع إيران، خاصة إذا علمنا أن تقديرات حجم التجارة بين تركيا وإيران تصل نحو 10 مليارات دولار، وترتقي لـ 30 مليار دولار مع الإمارات العربية، ونحو 12 مليار دولار مع العراق، وتزيد على 34 مليار دولار مع الصين، وقرابة الـ 5 مليارات دولار مع روسيا.

التحالف الثلاثي بين السعودية الغنية ماديا ومعنويا، وتركيا الصاعدة في مجال التكنولوجيا والصناعات العسكرية، وباكستان النووية، يمكن أن يتسع لانضمام مصر، وقطر، ودول أخرى في المنطقة لتعزيز جبهة رفض الهيمنة الاستعمارية الجديدة القادمة إلى الشرق الأوسط

تحالفات الضرورة لمنع تفيكك الشرق الأوسط

أخطر ما يمكن أن ينشأ من الحرب على إيران، هو فكرة تغيير الأنظمة وتفكيك الدول بالقوة العسكرية بعيدا عن القانون الدولي أو الإجماع الدولي.

إذا نجحت إدارة الرئيس دونالد ترامب في وضع يدها على فنزويلا، وفي استحواذها على غرينلاند، وضمها كندا، وتفكيكها النظام في إيران، والتموضع في الجغرافيا السياسية وفقا لمنطق القوة دون رادع أو خشية من ردود الفعل، فهذا سيغريها ويفتح شهيتها لفعل ما تشاء بفائض القوة العسكرية التي تملكها، وبما يتناسب مع مصالحها ومصالح حليفتها إسرائيل في الشرق الأوسط، ما سيُدخل المنطقة والعالم في حالة من الفوضى المنظمة.

أولى ضحايا هذه السياسة ستكون دول المنطقة العربية والإسلامية؛ فإسرائيل تعمل بجد على إعادة رسم الشرق الأوسط، وإذا تمكنت من إيران القوية، فستحول نظرها إلى تركيا الخصم الكبير لسياساتها الاستعمارية، كما السعودية الرافضة التطبيع إلا بشرط إقامة الدولة الفلسطينية، ودولة باكستان الإسلامية النووية، وستكون الدول الأخرى عمليا على خط النار من سوريا إلى لبنان، والأردن، والعراق.

إعادة رسم الشرق الأوسط، وعلو إسرائيل في المنطقة، يتقاطعان مع تطلع الولايات المتحدة للهيمنة على غرب الكرة الأرضية، ما يجعل مستوى التنسيق بينهما كبيرا وإستراتيجيا، خاصة بشأن الشرق الأوسط، الغني بالطاقة، والمتحكم بأهم الممرات المائية، والواقع جغرافيا في قلب العالم وحلقة الوصل بين الشرق والغرب.

إعلان

استشعار الدول بالمخاطر الداهمة نتيجة الجنوح الأميركي، جعلها تعيد النظر في تحالفاتها وتموضعها السياسي، فالاتحاد الأوروبي بدأ يتحرك سياسيا وعسكريا ليس بعيدا عن واشنطن فحسب، وإنما استعدادا لمواجهة محتملة معها، بسبب إصرارها على استحواذها على جزيرة غرينلاند الدانماركية، وربما لاحقا ضمها كندا، وآيسلندا التي طالبت واشنطن، الخميس 15 يناير/كانون الثاني الجاري، بتوضيح رسمي عقب تصريحات نُسبت إلى بيلي لونغ، مرشح الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمنصب سفير أميركا لدى ريكيافيك، والتي قال فيها "مازحا" حسب زعمه، إن آيسلندا ستصبح "الولاية الأميركية الثانية والخمسين" وإنه سيكون حاكمها.

السياسة الأميركية التي تجري عكس القانون الدولي وعكس الأعراف الدبلوماسية، تثير فزع دول الشرق الأوسط أيضا، فهي سياسات تمس مستقبل المنطقة بالتنسيق مع إسرائيل، وهذا تجلى في فلسطين، وسوريا، ولبنان، واليمن، وحاليا بشأن مستقبل النظام الإيراني، ومن قبل اعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال الانفصالي.

إسرائيل تسعى لمحاصرة السعودية جغرافيا، عبر تموضعها في إقليم أرض الصومال الانفصالي، ما يمنحها القدرة على التحكم في باب المندب والبحر الأحمر الذي يحد السعودية من الغرب، كما يعطيها أفضلية التدخل في اليمن العمق الإستراتيجي لجنوب السعودية، ناهيك عن محاولتها إعادة هندسة الوضع في إيران، المشاطئة للسواحل السعودية الشرقية عبر الخليج العربي.

السعودية بدورها سارعت باتخاذ خطوات مضادة، عبر التدخل عسكريا في اليمن لمنع انفصال الجنوب، ما أدى لانسحاب الإمارات العربية المتحدة من اليمن، وهروب عيدروس الزبيدي إلى أبو ظبي، وحل المجلس الانتقالي الذي تزعمه بهدف انفصال الجنوب عن الدولة اليمنية.

كما تجري السعودية اتصالات مع القاهرة ومقديشو لتشكيل تحالف عسكري جديد، في ظل إلغاء الصومال جميع اتفاقياته مع الإمارات، بهدف منع انفصال إقليم أرض الصومال، ومنع إسرائيل من التموضع فيه عسكريا.

بالتوازي مع ذلك، السعودية، وتركيا، وباكستان تنظر في تشكيل تحالف دفاعي مشترك؛ فقد صرح وزير الإنتاج الدفاعي الباكستاني رضا حياة حراج، بأن "باكستان، والسعودية، وتركيا أعدت مسودة اتفاق دفاعي" مؤكدا أن إتمام الاتفاق يتطلب توافقا نهائيا بين الدول الثلاث.

في وقت أكد فيه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، أن بلاده تجري محادثات بشأن احتمال إبرام اتفاقية دفاعية مع باكستان، والسعودية. ما يدل على خطورة المرحلة ومستوى تفاقم الوضع الأمني والعسكري.

التحالف السعودي- التركي- الباكستاني، يمكن أن يشكل نواة تحول في خارطة قوى الشرق الأوسط، وهيكلا صلبا لمواجهة التحديات الناتجة عن الأزمة المتفاقمة بين إيران وأميركا بتحريض إسرائيلي.

ثقل التحالف الثلاثي الناشئ، وموقف دوله الرافضة العدوان على إيران، ودعوتها لتغليب لغة الحوار والدبلوماسية يمكن أن يساعد كل ذلك في كبح جماح الحرب، وتفويت الفرصة على إسرائيل الساعية لإعادة رسم الشرق الأوسط على حساب دول المنطقة وشعوبها، من إيران إلى سوريا، ولبنان، والأردن، واليمن، ومن قبل فلسطين.

التحالف الثلاثي بين السعودية الغنية ماديا ومعنويا، وتركيا الصاعدة في مجال التكنولوجيا والصناعات العسكرية، وباكستان النووية، يمكن أن يتسع لانضمام مصر، وقطر، ودول أخرى في المنطقة لتعزيز جبهة رفض الهيمنة الاستعمارية الجديدة القادمة إلى الشرق الأوسط.

نجاح التحالف العربي الإسلامي، يعد أيضا فرصة تاريخية لتسوية ملفات الخلاف مع إيران، بإعادة رسم العلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية معها، على قاعدة الاحترام المتبادل، ومنع التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ومن ثم مد جسور التعاون المشترك، ما ينزع فتيل الخلافات المذهبية والطائفية التي تشكل بيئة خصبة للاحتلال الإسرائيلي للصيد في الماء العكر.

إعلان

سرعة الحراك العربي والإسلامي، ونجاحه في بناء التحالف سيشكلان حصانة للمنطقة في مواجهة إسرائيل والسياسات الاستعمارية، وسيخلقان فرصة تاريخية لاستثمار معالم القوة الذاتية، ما قد يعيد للعالم العربي والإسلامي دوره الريادي بين الأمم، في ظل حالة الفوضى الناشئة عن تراجع القانون الدولي والمنظومة الدولية؛ بسبب الأطماع الصهيوأميركية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



إقرأ المزيد