الجزيرة.نت - 1/18/2026 1:46:53 AM - GMT (+3 )
كشف اندلاع حرب أوكرانيا عن مفاجآت وتشققات في البناء الأوروبي. أخذت الحرب أوروبا على حين غرة، وبدت غير التي عرفها العالم منذ منتصف القرن العشرين. إذ حققت بين أممها سلاما عن قناعة بعدم جدوى حروب العصر الصناعي لما توقعه من ضحايا بعشرات الملايين ودمار شامل، وأنجزت استقرارا ووحدة وازدهارا بمستويات تاريخية.
جاء رد فعل أوروبا على حرب أوكرانيا انقلابا على ما تعلمته من تاريخها وصراعاتها، وعادت لسياسات العسكرة والحروب والتدمير الذاتي، وقرعت طبول الحرب والتسلح الباهظ، وسلحت أوكرانيا، وتماهت مع تحريض إدارة بايدن لتعميق الصراع واستنزاف روسيا وحصارها بأوسع عقوبات اقتصادية في التاريخ، وأسدل الستار على سياسات الانفتاح والتعاون الاقتصادي مع شرقها.
في فرنسا، بلغ القلق ذروته عندما صرح الجنرال فابيان ماندون، رئيس هيئة أركان الدفاع (الجديد)، في 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أمام حشد من رؤساء البلديات، بأن على المجتمع الفرنسي الاستعداد لـ"فقدان أبنائه" في صراع مستقبلي مع روسيا
فقدت ألمانيا، قائدة الاتحاد الأوروبي، قدرتها على القيادة والحيلولة دون اتساع الحرب وتفاقمها. وكان يمكنها أن تقود موقفا داخل حلف الأطلسي يتجنب استفزاز روسيا بدخول أوكرانيا بالحلف، لكنها لم تفعل!
يحذر الكاتب والباحث الألماني، فابيان شيدلر، من أن الاتحاد الأوروبي قد يدمر تماما بسبب تخندقه في موقف عدمي متشدد من روسيا، لكنه لا يفعل شيئا لتجنب الخطر ووقف المقتلة، بل يحاول تقويض جهود دبلوماسية لحل تفاوضي ينهي الحرب. وكان معروفا منذ البداية أن أوكرانيا لا تستطيع الفوز بالحرب، وأنها دخلت طريقا مسدودا.
روسيا عرَض لا سبب!مؤخرا، تعكس الهستيريا المتصاعدة في أوروبا تجاه روسيا محاولة يائسة- بل بائسة- من النخب الأوروبية المتراجعة، والفاقدة للمصداقية بشكل متفاقم، لإنقاذ إستراتيجيتها الفاشلة بشأن أوكرانيا ونفوذها العالمي المتلاشي.
وفي دراسة للفيلسوف السياسي الأميركي بول غرينييه والمفكر الأيرلندي شين فيتزجيرالد، لاحظ الباحثان أن الطبقة السياسية الأوروبية أخذت تتحدث عن روسيا بنبرة تنطوي على "فزع" ميتافيزيقي متفاقم.
إعلان
ويعد ضغط المفوضية الأوروبية المتزايد على بلجيكا ومجموعة "يوروكلير"، المتخصصة في البنية التحتية لأسواق المال والأوراق المالية المركزية- وتحتفظ بنحو 200 مليار يورو من أصول البنك المركزي الروسي المجمدة، للتخلي عن 140 مليار دولار منها- أمرا لافتا جدا.
ويأتي هذا الضغط رغم المخاطر والمحاذير القانونية والمالية والجيوسياسية الهائلة لذلك، ورغم تحذيرات قيادة "يوروكلير" نفسها من أن مثل هذه الخطوة قد تزعزع استقرار الأسواق المالية العالمية.
تميط هذه الإجراءات اللثام عن يأس غير مسبوق لإطالة أمد مشروع أوكراني فشل في تحقيق أي من أهدافه المعلنة. ففي مختلف أنحاء القارة، بات المسؤولون يستدعون فكرة التضحية الجماعية، وينشرون روايات تاريخية مضللة، ويتعاملون مع مشاهدات غير مؤكدة لطائرات مسيرة كدليل على حرب هجينة.
في فرنسا، بلغ القلق ذروته عندما صرح الجنرال فابيان ماندون، رئيس هيئة أركان الدفاع (الجديد)، في 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أمام حشد من رؤساء البلديات، بأن على المجتمع الفرنسي الاستعداد لـ"فقدان أبنائه" في صراع مستقبلي مع روسيا.
أثارت هذه التصريحات عاصفة سياسية. فسارع الرئيس ماكرون ووزراؤه لتأكيد أن الشباب الفرنسي لن يرسل للموت بأوكرانيا، بينما ظهر الجنرال ماندون على شاشة التلفزة ليقول إنه كان يقصد فقط "تنبيه وإعداد" المجتمع لـ"التدهور الأمني". ومع ذلك، كان الرمز واضحا لا لبس فيه: قوة أوروبية كبرى تضفي تطبيعا على فكرة المواجهة العسكرية الكارثية مع روسيا المسلحة نوويا.
الحشد و"هلع المسيرات"يلفت المؤلفان لظهور الآلية النفسية ذاتها في ادعاء مثير للجدل أدلت به كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، مؤخرا، وجاء فيه: "خلال المئة عام الماضية، هاجمت روسيا أكثر من 19 دولة. ولم تهاجم أي من هذه الدول روسيا قط".
هذا الادعاء لا يمكن الدفاع عنه تاريخيا. فتدخل فرنسا، وبريطانيا، وكندا، وأستراليا، واليابان، وإيطاليا، واليونان، والولايات المتحدة في الحرب الأهلية الروسية أوائل عشرينيات القرن الماضي، وغزو ألمانيا النازية الاتحاد السوفياتي عام 1941، وحدهما يجعلان هذا الادعاء سخيفا.
وقد صحح مؤرخون أوروبيون، وبعضهم متعاطف مع موقف كالاس المتشدد، هذا التصريح على مضض. بيد أن الدقة لم تكن هي الغاية أبدا. فقد كان الهدف من السرد هو الحشد، وليس التذكير بالتاريخ.
ومن مظاهر هذا الادعاء أيضا "هلع المسيرات" الذي يجتاح القارة. فقد أبلغت سلطات ألمانيا، والدانمارك، وبلجيكا عن طائرات مسيرة مجهولة الهوية قرب المطارات والقواعد العسكرية وحتى المواقع النووية. لكن لم يتم نشر أي لقطات مصورة لتلك المزاعم، أو تأكيد أي عمليات اعتراض، أو تقديم أي دليل.
فقد أعلنت سلطات بلجيكا عجزها عن تحديد هوية أي جهة مسؤولة عن تحليق المسيرات. ومع ذلك، تلمح السلطات يوميا إلى تورط روسيا. ويتضح النمط جليا في تحول الشائعات إلى افتراضات، ثم إلى سياسات راسخة.
تجسد هذه الأحداث تحولا عميقا. فأوروبا لا تكتفي برد فعل مبالغ فيه تجاه روسيا، بل تسقط أزمة ثقتها بنفسها عليها، وتتخذها ستارا أو شماعة تلقي عليها مخاوفها وإخفاقاتها وانقساماتها الداخلية.
إعلان
يعزو غرينييه وفيتزجيرالد ذعر أوروبا المتزايد حيال روسيا إلى ثلاثة تطورات متداخلة توجه ضربة قاضية لإستراتيجيتها تجاه أوكرانيا:
- أولا؛ تخشى النخب الأوروبية الآن من استبعادها من اتفاق السلام. فمع تزايد المؤشرات على أن واشنطن وموسكو قد تستكشفان تسوية تفاوضية مباشرة عبر قنوات خلفية، ومع تزايد إحباط الرئيس دونالد ترامب من عرقلة كييف وتصلب الموقف الأوروبي المتشدد، تهمش الولايات المتحدة، أوكرانيا، وبريطانيا، والاتحاد الأوروبي بهدوء.
وبالنسبة لبروكسل، وباريس، وبرلين، ولندن، لا يكمن الكابوس في "انسحاب" الولايات المتحدة، بل في صفقة أميركية تنهي فيها واشنطن الحرب بشروط تمنح بموجبها موسكو مكاسب كبيرة، بينما تجبر أوروبا على دفع ثمن تسوية، لم يكن لها أي دور في صياغتها.
إذا ما تحققت مثل هذه الصفقة الأميركية الروسية للسلام، فستكون إهانة دبلوماسية كبرى لأوروبا منذ أزمة السويس عام 1956.
- أما التطور الثاني، الذي يحفز أيضا المساعي الدبلوماسية الأميركية المستجدة، فهو هزيمة الجيش الأوكراني الوشيكة في ساحة المعركة مع تقدم الجيش الروسي في جميع قطاعات الجبهة. وقد أدى التطور الصناعي الروسي إلى تفوق ساحق في المدفعية والطائرات المسيرة والصواريخ والقوى البشرية.
تتضاءل خطوط الدفاع الأوكرانية، وتنهار التعبئة، وتتعرض المواقع الدفاعية الرئيسية لخطر الانهيار. حتى التقييمات العسكرية الغربية تقر الآن بأن أوكرانيا قد لا تصمد لفترة أطول. تدرك أوروبا أن الهزيمة الإستراتيجية ليست ممكنة فحسب، بل حتمية!
- ثالثا؛ تفكك النسيج السياسي لأوكرانيا. فقد أدت سلسلة فضائح الفساد، واستقالات الوزراء، ومؤخرا رحيل أندريه يرماك، أقوى مستشاري فولوديمير زيلينسكي وحارس بوابته، إلى تحطيم الرواية الأخلاقية التي اعتمدت عليها النخب الأوروبية لتبرير الحرب لشعوبها.
وتكشف تسريبات الاستخبارات الغربية وتقارير الصحافة الأوروبية الآن علنا عن فساد ممنهج، وانقسامات، وتعبئة قسرية داخل أوكرانيا. وما كان يسوق كحصن ديمقراطي بات يرى بشكل متزايد نظام حرب ينهار، ويفقد السيطرة على دائرته المقربة.
تفسر هذه التطورات مجتمعة كيف يؤول الخطاب الأوروبي لحالة هستيريا. فالمسار الدبلوماسي ينزلق من أيدي أوروبا، والشريك السياسي الذي استثمرت فيه يتفكك، والجبهة العسكرية التي راهنت عليها تفشل.
إن خوف أوروبا ليس من التوسع الروسي، بل من انكشافها وتهميشها وإجبارها على مواجهة انهيار مشروع راهنت عليه بشرعية وجودها.
انتكاسات إستراتيجية عالميةبحسب غرينييه وفيتزجيرالد، لا يمكن فهم الهستيريا الأوروبية تجاه روسيا فهما كاملا دون إدراك تراجع النفوذ الأوروبي الموازي عالميا.
ففي أفريقيا، انهار نظام "فرانس أفريك" أو فرنسا الأفريقية، بسرعة مذهلة. فقد طردت مالي (2022) وبوركينا فاسو (2022) والنيجر (2023) وغيرها القوات الفرنسية، ونقضت معاهدات الدفاع، ونددت بباريس لسلوكها الاستعماري الجديد. وحلت روسيا والصين، وتركيا، ودول الخليج محل أوروبا في مجالات الأمن والتعدين والطاقة والتجارة والإعلام. وانتهت مهمة فرنسا الكبرى لتحقيق استقرار منطقة الساحل لا بالانتصار بل بالإذلال.
إستراتيجيا، أصبح الاتحاد الأوروبي هامشيا في الشرق الأوسط. وتدار دبلوماسية غزة من قبل الولايات المتحدة، وقطر، ومصر، وتركيا، لا بروكسل، أو باريس. أما التقارب السعودي- الإيراني فقد هندسته الصين. وأصبحت أوروبا، التي كانت يوما من الأيام صانعة الانتدابات والمحميات، مجرد متفرج بلا نفوذ.
في أميركا اللاتينية، جاء اتفاق الاتحاد الأوروبي و"ميركوسور"، الذي طال انتظاره، متأخرا عقودا. فقد تفوقت الصين بالفعل على الاتحاد الأوروبي كأكبر شريك تجاري ومستثمر في المنطقة. وتتعامل البرازيل، والأرجنتين، والمكسيك بشكل متزايد مع الاتحاد الأوروبي كعائق "تنظيمي" لا كشريك.
إعلان
في آسيا، باتت إستراتيجية أوروبا بمنطقة المحيطين؛ الهندي، والهادئ رمزية: بضع فرقاطات وبعض التصريحات. أما البنية الحقيقية المتمثلة بتحالف "أوكوس"، والتحالف الرباعي، ومحور الولايات المتحدة، واليابان، وكوريا، ورابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، فتمضي قدما دون مشاركة أوروبا.
في جميع أنحاء الجنوب العالمي، فقدت أوروبا نفوذها في سرد وإدارة الأحداث. وتنتقد دول من البرازيل إلى جنوب أفريقيا إلى إندونيسيا علنا "ازدواجية معايير" الاتحاد الأوروبي بشأن غزة وأوكرانيا والعقوبات.
وترفض دول كثيرة محاولات الاتحاد الأوروبي لاستغلال التجارة ومعايير المناخ كسلاح. يضعف توسع مجموعة "بريكس" وصعود أدوات مالية غير غربية (مثل نظام دفع بريكس، ونظام الدفع الصيني CIPS، ونظام الدفع الهندي RuPay) النفوذ الهيكلي لأوروبا.
هذا التآكل العالمي يفاقم هستيريا النخب الأوروبية. وتغدو روسيا رمزا لإدراك أوسع بأن الاتحاد الأوروبي لم يعد يتمتع بالاحترام والمراعاة التلقائية، أو السلطة المعنوية، أو المركزية الإستراتيجية.
ويرصد المؤلفان تفاقم تراجع نفوذ أوروبا أيضا؛ بسبب الانكماش السكاني، الذي يشكل بهدوء حالة ذعر لدى النخب. فتقلص القوى العاملة، وشيخوخة الناخبين، وانهيار معدلات الخصوبة أوروبيا، تجعل التعبئة العسكرية طويلة الأمد وصناعة إعادة التسلح شبه مستحيلة. لذلك، تبدو الدعوات لـ"التضحية بأبنائنا" يائسة؛ لأن أوروبا ببساطة لديها أطفال أقل بكثير.
رؤية عالمية فاشلةمع مواجهة أوكرانيا للهزيمة العسكرية، وتفكك نظام زيلينسكي، ستصبح الفجوة بين الروايات الغربية الرسمية والواقع الملموس غير قابلة للردم أو التجسير. تترتب على ذلك ثلاث عواقب رئيسية:
- الأولى؛ انهيار المصداقية. فقد قيل للرأي العام الأوروبي إن روسيا معزولة ومفلسة وغير كفؤة عسكريا، بينما قيل له إن أوكرانيا قادرة على تحقيق نصر حاسم. وأي نتيجة مختلفة تماما ستؤدي لانهيار الثقة في الأحزاب الرئيسية ومؤسسات الاتحاد الأوروبي.
- الثانية؛ التشرذم السياسي. سيؤدي تبادل الاتهامات إلى تفتيت التكتل. سيلقي شرق أوروبا باللائمة على تردد غربها، بينما سيلقي غرب أوروبا باللائمة على المتشددين بدول البلطيق، وبولندا، وسيلقي جنوب أوروبا باللائمة على جمود الشمال اقتصاديا.
- الثالثة؛ التطرف، ستصر بعض النخب على موقفها، مطالبة بمواجهة دائمة مع روسيا. بينما سيطالب آخرون، لا سيما الصناعيون والمزارعون الأوروبيون والقطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، بالانفراج الدولي والواقعية الاقتصادية.
لكن العاقبة الأعمق نفسية! يتعين على أوروبا الاختيار بين قبول واقع متعدد الأقطاب أو التشبث بوهم التفوق الأخلاقي والولاية القضائية العالمية والمركزية الجيوسياسية، التي توهمتها بعد 1991. يوفر الخيار الأول تكيفا صعبا قد يحقق استقرارا، بينما يضمن الخيار الثاني استمرار التدهور.
إن الهستيريا الأوروبية تجاه روسيا هي المرحلة الأخيرة من رؤية عالمية فاشلة لقارة أساءت نخبها فهم موازين القوى، وأقصت الجنوب العالمي، وضحت بقاعدتها الاقتصادية، وربطت نفسها بالتقلبات الإستراتيجية الأميركية.
ومع اتضاح مصير أوكرانيا واستمرار تآكل نفوذ أوروبا عالميا، يواجه الاتحاد الأوروبي خيارا حاسما: التجديد من خلال الواقعية، أو الانحدار من خلال الإنكار. وتشير كل الدلائل في مساره الحالي إلى أنه اختار الخيار الثاني بالفعل.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
إقرأ المزيد


