الجزيرة.نت - 1/17/2026 11:27:39 PM - GMT (+3 )
في 27 يونيو/حزيران 1976، اختطف مقاتلان من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ورفيقاهما الألمانيان طائرة للخطوط الجوية الفرنسية أثناء توقُّفها في مطار أثينا باليونان في رحلتها من تل أبيب إلى باريس. كان على متن الطائرة 248 راكبا، بينهم 103 إسرائيليين، وقد اتجه الخاطفون بالطائرة إلى مطار عنتيبي في أوغندا، وهناك بدأت واحدة من أكثر العمليات إثارة في تاريخ الصراع العربي-الإسرائيلي.
أعلنت أوغندا حالة الطوارئ، وبدا أن المفاوضات بين إسرائيل والخاطفين قد تُمهِّد لإطلاق سراح أسرى فلسطينيين، ولكن في 4 يوليو/تموز انقلب المشهد، حيث نفَّذت إسرائيل عملية بواسطة وحدة "سايريت مِتكال" التابعة لقوات النخبة، مدعومة بـ3 طائرات، وبدعم لوجستي من كينيا، الخِصم اللدود لأوغندا آنذاك.
انتهت العملية بمقتل 20 جنديا أوغنديا، والخاطفين الأربعة، و3 رهائن، والضابط البارز في الوحدة جوناثان نتنياهو -شقيق بنيامين نتنياهو الأكبر ومثله الأعلى وصديقة المُقرَّب- والذي كان لمقتلة في هذه العملية كبير الأثر في حياة بنيامين المهنية والسياسية كما يذكر الأخير في مذكراته الصادرة عام 2022.
وقد أسَّس بنيامين ووالده بعد مقتل جوناثان بعام واحد معهد جوناثان ليكون معنيًّا بخدمة الأجندة الصهيونية والدعوة إلى سياسة غربية جديدة لمكافحة "الإرهاب الدولي" كما أسموه، وتحوَّلت الواقعة لاحقا إلى مادة لعدة أفلام مثل "غارة على عنتيبي" عام 1976 و"آخر ملوك أسكتلندا" 2007.
بعد 40 عاما، عاد نتنياهو إلى المكان نفسه، لكن بصفته رئيسا للوزراء، حيث بدأ جولته الأفريقية عام 2016 من عنتيبي، محتفيا بذكرى العملية ومُغازِلا 7 من القادة الأفارقة بحديث منسوب لثيودور هرتزل -مؤسس الصهيونية الحديثة- عن رغبته في المشاركة في تحرير الأفارقة.
وقد تحدَّث نتنياهو عن جهود دمج اليهود الفلاشا الإثيوبيين في المجتمع الإسرائيلي، وعن البقرة الإسرائيلية التي تنتج مستويات مرتفعة من الحليب، وعن مستقبل واعد من التعاون في مجالات متعددة.
إعلان
لكن هذه الصورة البرَّاقة تصطدم بحقائق عايشتها الشعوب الأفريقية، وهو تاريخ طويل من صفقات السلاح الإسرائيلية التي غذَّت الانقلابات والمجازر، وتحالفت مع أنظمة الاستبداد والفصل العنصري. فبينما كان نتنياهو يتباهى بخطاب "التحرُّر والتنمية"، كانت إسرائيل قد رسَّخت سمعتها كأحد أبرز مُورِّدي السلاح في حروب الإبادة ودعم الأنظمة القمعية في القارة الأفريقية.
هذه المفارقة ليست صدفة، بل انعكاس لنهج قديم متجدد، إذ ترفع تل أبيب شعارات مثالية غطاء لمشاريع الهيمنة التي تُنفِّذها على الأرض. وكما تُستخدَم اليوم في غزة لغة "الدفاع عن النفس" لتبرير الإبادة، فقد استخدمت في أفريقيا لغة "التحرُّر والتنمية" لتسويق السلوك نفسه.
منذ لحظة تأسيسها، رأت إسرائيل أن أفريقيا ليست مجرد مجال جغرافي بعيد، بل ساحة إستراتيجية يمكن عبرها كسر الطوق العربي المحيط بها، ومحاصرة خصومها، وعلى رأسهم مصر.
وقد أولى الخطاب الصهيوني القارة أهمية خاصة، فقد أشار ثيودور هرتزل نفسه إلى أن مشروع "تحرير اليهود" يجب أن يتبعه دور في "مساعدة أفريقيا على التحرُّر"، وهو تصوُّر مُبكِّر جعل القارة تُقدَّم بوصفها امتدادا طبيعيا للمشروع الصهيوني، وأرضا بِكرا للتغلغل الدبلوماسي والاقتصادي، بل إن أوغندا طُرِحَت خيارا بديلا لإقامة وطن قومي لليهود في وقت سابق على وعد بلفور عام 1917.
قامت مساعي إسرائيل للتغلغل في أفريقيا على ما عُرِف بنظرية "شد الأطراف"، أي توطيد علاقات وثيقة مع الدول المتاخمة للعالم العربي، أو الطوق غير العربي، مثل تركيا وإيران ودول القرن الأفريقي ومنابع النيل، لاستخدامها أذرع تطويق واستنزاف للعرب. بمعنى آخر، إذا تعذَّر اختراق العالم العربي مباشرة، فالتطويق من الأطراف يصبح وسيلة إستراتيجية لإضعافه.
وكان ديفيد بن غوريون -أول رئيس وزراء لإسرائيل- هو مهندس نظرية شد الأطراف، وقد شرح الأمر بوضوح لأعضاء الكنيست في كلمته عام 1960 قائلا "إن الدول الأفريقية ليست قوية، لكن صوتها مسموع في العالم، وأصواتها في المنظمات الدولية تساوي في قيمتها أصوات الدول الكبرى، والصداقة الإسرائيلية الأفريقية تهدف في حدها الأدنى إلى تحييد أفريقيا في الصراع العربي الإسرائيلي، وفي أحسن حالاتها إلى ضمان مساندة أفريقيا للموقف الإسرائيلي".
وقد حلَّل دكتور حمدي عبد الرحمن حسن في كتابه "التغلغل الإسرائيلي في أفريقيا" محورية القارة في السياسة الخارجية الإسرائيلية منذ الخمسينيات حتى اليوم، وأشار إلى الأهداف الرئيسية التي تسعى إليها تل أبيب من تفاعلها مع أفريقيا، ومنها كسر حدة العزلة الدولية، وكسب قواعد جديدة للتأييد، وإضفاء الشرعية السياسية على إسرائيل دوليا، وتأمين دعم أفريقي في تسوية الصراع العربي الإسرائيلي، وضمان هجرة اليهود الأفارقة إلى إسرائيل، والحيلولة دون أن يصبح البحر الأحمر بحيرة عربية خالصة، وبناء قاعدة لتنفيذ إستراتيجية "شد الأطراف"، وهو ما يتضح من تركيز تل أبيب على دول أفريقية بعينها موجودة على تخوم العالم العربي، مثل السنغال وإثيوبيا والكونغو الديمقراطية.
بيد أن الطريق إلى القارة الأفريقية لم يكن سهلا، ففي منتصف الخمسينيات رفض المؤتمر الأفرو-آسيوي المنعقد في مدينة باندونغ بإندونيسيا مشاركة إسرائيل، وأدان أعضاؤه ممارساتها بحق الفلسطينيين. وكان المؤتمر يضم 29 دولة مستقلة حديثا شكَّلت نواة لتأسيس حركة عدم الانحياز فيما بعد، وهي دول مثَّلت أكثر من نصف سكان العالم في ذلك الوقت. ومن أبرز القادة الذين حضروا المؤتمر رئيس الوزراء الهندي جواهر لال نهرو ورئيس الوزراء الصيني تشو إنلاي والرئيس المصري جمال عبد الناصر.
إعلان
أتى استبعاد إسرائيل من حدث بهذه الضخامة والأهمية وأربك حسابات تل أبيب، فاندفعت فيما تبقي من حقبة الخمسينيات وطوال الستينيات نحو حملة نشاط دبلوماسي مُوسَّع في أفريقيا، بدأ بعد مؤتمر باندونغ بعام واحد، حين افتُتِحَت أول قنصلية إسرائيلية في أفريقيا في أكرا عاصمة غانا، ونظَّمت وزيرة الخارجية الإسرائيلية حينها غولدا مائير جولة إلى عدة دول أفريقية عام 1958، شملت غانا والسنغال وساحل العاج، علاوة على إطلاق الوكالة الإسرائيلية للتعاون الإنمائي الدولي "ماشاف"، التي أصبحت لاحقا الأداة الرئيسية للتغلغل في القارة.
لكن هذه الجهود اصطدمت بانتكاسة كبرى بعد حرب يونيو/حزيران 1967، حين احتلَّت إسرائيل القدس وسيناء والجولان والضفة وغزة، مما فجَّر موجة غضب في أفريقيا قادتها منظمة الوحدة الأفريقية، على اعتبار أن الأراضي المصرية أراضٍ أفريقية، كما نُظِر إلى العدوان الإسرائيلي على أنه ممارسة استعمارية في قارة حديثة العهد بالاستقلال.
بحلول عام 1973، كان عدد الدول ذات العلاقات الدبلوماسية مع أفريقيا قد انخفض من أكثر من 30 دولة إلى 5 دول فقط هي جنوب أفريقيا البيضاء وليسوتو وملاوي وسوازيلاند وموريشيوس، حيث قطعت معظم الدول الأفريقية علاقاتها مع تل أبيب واستمرت المقاطعة نحو 10 سنوات.
بدا إذن أن المشروع الإسرائيلي لخطب ود أفريقيا قد انهار، غير أن هذا التراجع لم يدم طويلا. فبعد معاهدة كامب ديفيد مع مصر عام 1978، أعادت عدة دول أفريقية حساباتها وفتحت أبوابها من جديد أمام الدبلوماسية الإسرائيلية.
وعندما وُقِّعَت اتفاقيات أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية عام 1993، توسَّعت عودة إسرائيل بصورة أكبر، فأعيد افتتاح السفارات، وفي غضون 4 سنوات كانت إسرائيل قد وصلت بتمثيلها الدبلوماسي إلى 48 دولة أفريقية.
انطلاقة جديدة بعد الحرب الباردةشهدت العلاقات الإسرائيلية الأفريقية ازدهارا كبيرا في السنوات العشرين الماضية، مدفوعة بتراجع نظم التحرُّر في أفريقيا بعد سقوط الاتحاد السوفياتي ونهاية الحرب الباردة، وكذلك بالنشاط الإسرائيلي الذي حرَّكته المخاوف من تأسيس نظم عربية جديدة مناوئة لإسرائيل بعد الثورات العربية عام 2011. وقد امتدت آفاق التعاون إلى مجالات متعددة استعرضها الباحث الإريتري عبد القادر محمد علي في مقال منشور بموقع الجزيرة.
على سبيل المثال، تعاقدت شركة "إنِرجيا غلوبل" الإسرائيلية عام 2017 على استثمارات تصل إلى مليار دولار لتطوير مشاريع الطاقة الخضراء في 15 دولة أفريقية.
وفي عام 2021 افتتحت شركة "غيغاوات غلوبال" ومقرها إسرائيل أول محطة للطاقة الشمسية في بوروندي مما زاد قدرة التوليد بنسبة 10%، قبل أن تعلن عن نيتها مضاعفة حجم المشروع عام 2023. كما شهد العام نفسه اتفاق إسرائيل وزامبيا على إنشاء محطة لتوليد 17 ميغاوات من الكهرباء عبر طاقة الرياح في أكبر استثمار من نوعه في زامبيا بقيمة 100 مليون دولار.
وفي مجال المساعدات التنموية استخدمت تل أبيب ذراعها القديم "ماشاف"، الذي تتنوَّع أنشطته في أفريقيا، حيث يبرز في دعم النمو الاقتصادي في المناطق الريفية عبر تعزيز إنتاج أصحاب الحيازات الصغيرة من الفواكه والخضروات في دول مثل إثيوبيا والكاميرون ورواندا، إلى جانب المشروعات المتعلقة بالقطاع الصحي في تشاد وتوغو وغانا.
وتوضح البيانات التي نشرتها منظمة "الابتكار: أفريقيا" الإسرائيلية غير الربحية على موقعها الرسمي، أنها بين عامي 2008-2024 عملت على استخدام التقنيات المرتبطة بالطاقة الشمسية والمياه لتوفير إمكانية الوصول إلى المياه النظيفة لحوالي 4.5 ملايين قروي في 10 دول أفريقية منها جمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا وملاوي والسنغال وتنزانيا والكاميرون.
كما لعبت دبلوماسية القِمَم والجولات دورا حين أصبح نتنياهو أول رئيس وزراء إسرائيلي يزور القارة الأفريقية عام 2016 منذ 5 عقود، وشملت زياراته كينيا وإثيوبيا وأوغندا، ويُعَد نتنياهو أول زعيم غير أفريقي يشارك في قمة المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا "إيكواس" عام 2017.
إعلان
عملت تل أبيب أيضا على افتتاح سفارات جديدة في رواندا وغانا، كما استثمرت في تطبيع العلاقات مع دول أفريقية مثل غينيا (2016) وتشاد (2018) والمغرب (2020) والسودان (2020)، وتُوِّجَت هذه المساعي في نهاية المطاف عام 2021 بقرار مُفاجئ من رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي السابق التشادي موسى فكي بقبول إسرائيل عضوا مراقبا في الاتحاد الأفريقي، قبل أن يُعلَّق القرار لاحقا بعد ضغط من دول عربية وأفريقية نتيحة الحرب الإبادية الأخيرة على غزة.
أتت مرحلة ما بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول وألغت الكثير من المكتسبات الإسرائيلية، كما تكشف وقائع طرد الوفد الإسرائيلي من فعاليات الاتحاد الأفريقي منذ عام 2023 حتى وقتنا الراهن.
وكان أحدث تلك المواقف من الدول الأفريقية ما فعلته مع قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل أسابيع بشأن الاعتراف بدولة فلسطين، فلم تعترض أي دولة من القارة على القرار فيما امتنعت عن التصويت 4 دول فقط هي إثيوبيا وجنوب السودان والكاميرون والكونغو الديموقراطية، في مشهد عكس عمق الرفض الشعبي والرسمي في القارة لسياسات تل أبيب.
بعيدا عن زخم الدبلوماسية ودعاية المساعدات التنموية والتعاون الاقتصادي، كان هناك مجال للتعاون يتنامى ويتطور في الظِل طوال مراحل التفاعل الإسرائيلي مع القارة، وهو مجال التسليح والأمن. فعلى مدار عقود كانت شركات السلاح الإسرائيلية موجودة بقوة في القارة، وكان التعاون الأمني يزداد عمقا بل وتحوَّل إلى شراكة إستراتيجية مع أنظمة الفصل العنصري والديكتاتوريات الأفريقية، وكذلك في تغذية عدد من أعمال الإبادة والضبط العنيف للمجتمعات وقمعها. وهنا ثمَّة قصة بعيدة عن الأضواء تُظهِر الوجه الحقيقي لرؤية تل أبيب تجاه أفريقيا.
جذور تحالف الظلمنذ ستينيات القرن الماضي، دشَّنت إسرائيل شراكة وثيقة مع نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، متجاوزة العقوبات الدولية على النظام العنصري، ومُزوِّدة بريتوريا بتقنيات عسكرية وأمنية متطورة ساعدتها في الالتفاف على عزلتها الدولية. وكانت هذه العلاقة التجسيد الأوضح لتقاطع الرؤى والمصالح بين كيانيْن منبوذيْن عالميا.
وقد أوضح الباحث أليكس دي وال أن هذه الشراكة كانت بمثابة "اتفاقا مع الشيطان"، إذ حصلت إسرائيل من بريتوريا على اليورانيوم الخام والتعاون النووي، مقابل تزويدها بأسلحة متقدمة وخبرات عسكرية.
وقد أشار دي وال إلى كتاب "التحالف الصامت: علاقة إسرائيل السرية بنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا"، الذي كشف أن الأسلحة الإسرائيلية استُخدمت في قمع المعارضة الداخلية وتنفيذ عمليات ضد حركات التحرُّر الأفريقية، بينما استفادت تل أبيب من التعاون لتطوير قدراتها النووية بعيدا عن الرقابة الدولية.
لم تكن جنوب أفريقيا المثال الوحيد، فقد عملت إسرائيل على تصدير تجارب الشباب المحارب المعروف بـ"الناحال وكتائب الفتوة "الجدناع" إلى الأقطار الأفريقية، واستطاعت تل أبيب أن توفر للأقطار الأفريقية في الفترة بين عامي 1958-1972 حوالي 1300 مستشار ومدرب لتثبت الامتداد العسكري لها في أفريقيا.
كما درَّبت تل أبيب عددا من الأفارقة لتنظيم الخدمة العسكرية في بلادهم، ففي عام 1976 أرسلت إسرائيل خبراء إلى تنزانيا لتدريس العلوم الشُرَطية، وشاركت في تأسيس وحدات حماية النظام في تشاد وأفريقيا الوسطى.
كان للتدريب وظيفة أخرى هي استقطاب ضباط أفارقة أثناء تدريبهم في إسرائيل، ممن يكشف تحليلهم النفسي والشخصي عن اهتماماتهم بالسلطة، فإذا ما وصلوا إلى الحُكم في بلادهم، بات لإسرائيل ذراع تنفتح بها أبواب التعاون مع أفريقيا، وأحدث مثال هنا هو الكولونيل مامادي دومبويا الذي تدرب في أكاديمية الأمن الدولية في إسرائيل، وأصبح رئيس المجلس العسكري لغينيا عام 2022 بعد الإطاحة بالرئيس ألفا كوندي في انقلاب عسكري.
ومن أبرز هذه النماذج تاريخيا موبوتو سيسي سيكو، زعيم زائير (الكونغو الديمقراطية) الذي أصبح رئيسا لبلاده بعد انتهاء تدريبه في إسرائيل بعامين، وحكم البلد بين عامي 1965-1997.
وقد اعتمد موبوتو على شحنات سلاح وخبرات إسرائيلية لتعزيز قبضته القمعية في السبعينيات والثمانينيات، حيث لعبت شركات السلاح وتجار الوسطاء دورا رئيسيا في تزويد قواته بمعدات وأجهزة اتصال عسكرية، علاوة على تدريب قواته وتأسيس مدرسة للمظلات هناك، مقابل فتح قنوات نفوذ لتل أبيب في قلب حوض الكونغو.
إعلان
امتد التعاون العسكري مع إسرائيل إلى ليبيريا والكاميرون وأوغندا، وكانت الأخيرة قاعدة مركزية لترسيخ الوجود الإسرائيلي في أفريقيا جنوب الصحراء منذ حكم الرئيس ميلتون أوبوتي قائد استقلال البلاد عن بريطانيا عام 1962 وصولا إلى الجنرال عيدي أمين الذي أطاح بأوبوتي عام 1971.
وكان أمين على علاقة وطيدة بإسرائيل تعود إلى وقت تلقيه تأهيله العسكري بسلاح المظلات في إسرائيل، قبل أن تسوء العلاقة بينهما بسبب رفض تل أبيب إمداده بشحنة سلاح لمواجهة المتمردين، ثم تصل إلى أدنى مستوياتها مع حادثة عنتيبي.
في القرن الأفريقي وسواحل البحر الأحمر ومنابع النيل على هضاب الحبشة، نجد النمط نفسه للتغلغل الإسرائيلي في إثيوبيا، إذ لعبت تل أبيب منذ وقت مبكر دورا حاسما في تثبيت أركان الإمبراطور هيلا سيلاسي.
ويذكر الباحث عبده فايد أن الإسرائيليين "أنشأوا وحدات الكوماندوز الإثيوبية ودرَّبوا 3200 من عناصرها، وأسسوا وحدات حرس الحدود وزودوها بالأسلحة"، حتى إن الإمبراطور حين تعرَّض لمحاولة انقلاب أثناء زيارته البرازيل عام 1960، لم يجد أفضل من السفارة الإسرائيلية في ليبيريا لنقل رسائل إلى الموالين له، مما مكَّنه من العودة وإحباط الانقلاب.
في الوقت نفسه، حوَّلت إسرائيل إثيوبيا إلى مركز للتجسس على العرب عبر غطاء شركات مثل "أنكودا" المتخصصة في تصدير اللحوم الاثيوبية، التي مثلت ذراعا للموساد في القرن الأفريقي. ولكن التحالف مع أديس أبابا لم يحمِ العرش طويلا، إذ أطاح انقلاب 1974 بالإمبراطور وفتح الباب أمام نظام منغستو هيلا مريام، وهنا وجدت تل أبيب مصلحة جديدة، دعم النظام الجديد مقابل ضمان استمرار النفاذ إلى البحر الأحمر.
وقد وفَّرت إسرائيل لإثيوبيا معدات عسكرية متطورة بينها طائرات "إف-5" أميركية، فضلا عن تحديث جهاز الاستخبارات المركزي.
مع تصاعد النشاط العسكري للحركة الوطنية الإريترية المطالبة بالاستقلال وإزاحة نظام منغستو، انقسم الحراك في مساعيه التحرُّرية إلى جبهتين، الأولي "حركة تحرير إريتريا" التي أكدت في برنامجها التأسيسي على الانتماء العروبي والسعي لتنسيق النضال مع الأمة العربية في مواجهة الصهيونية، والثانية "الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا" التي هيمن على قرارها تيار أفريقي رأى ضرورة الاحتفاظ بمسافة عن العرب.
هُنا برزت المخاوف الإسرائيلية من أن تنجح الجبهة ذات التوجه العروبي–الإسلامي في السيطرة، مما يعني إغلاق باب المندب وتحويل البحر الأحمر إلى "بحيرة عربية". ولذا لم تتردَّد تل أبيب في موازنة دعمها للنظام الإثيوبي بفتح قنوات مع تيارات إريترية بعيدة عن العرب، والمتمثلة في الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا بقيادة أسياس أفوِرقي، الذي رجحت كفته في إريتريا لاحقا، ويحكمها حتى يومنا هذا.
أما السودان، فدخل في المعادلة من بوابة ملف يهود الفلاشا، فقد لجأ رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيغين إلى الرئيس المصري أنور السادات للتوسُّط في عمليات تهجير اليهود الإثيوبيين، مما أسفر عن عمليات سرية وعلنية، من بينها عملية "موشيه" في أوائل الثمانينيات، التي هُرِّب فيها آلاف الفلاشا عبر الأراضي السودانية مقابل مبالغ ضخمة أودعت في حسابات شخصية للنميري.
ومع تفاقم الحرب الأهلية الإثيوبية وضعف نظام منغستو، رضخ الأخير لصفقة ثلاثية مع واشنطن وتل أبيب سمحت بترحيل نحو 14 ألف فلاشي في عملية "سليمان" عام 1991، مقابل استمرار إمداده بالأسلحة.
من جهتها، تحوَّلت إريتريا إلى قاعدة متقدمة لإسرائيل على البحر الأحمر. فمع استقلالها عام 1993، سرعان ما نسجت تل أبيب علاقات وثيقة مع أفوِرقي، وحصلت على حق استخدام جزر دَهْلَك لتدشين قواعد بحرية وجوية، من بينها مواقع غواصات ألمانية من طراز دولفين القادرة على حمل رؤوس نووية.
وقد أقام سلاح الجو الإسرائيلي أيضا مواقع في جبال محار أغار قرب الحدود السودانية، مما وفر له قدرة متقدمة على المراقبة والتدخل في الممرات البحرية. وبذلك تحققت رؤية بن غوريون القديمة بالحصول على منفذ مستدام على البحر الأحمر، ولكن عبر إريتريا هذه المرة لا عبر احتلال سيناء.
نحو الكونغو والغرب والجنوبوفقا لتقدير بعض الخبراء، لم تتوقف محاولات إسرائيل لترسيخ حضورها العسكري حتى بعد سقوط بعض الأنظمة الحليفة لها. ففي الكونغو الديمقراطية وقَّعت كينشاسا 12 اتفاقية تعاون مع تل أبيب عام 2002، منها اتفاقية عسكرية لتدريب وتسليح الجيش والقوات الخاصة، والمشاركة في بناء جهاز الشرطة والأمن.
وفي رواندا وبوروندي أظهرت وثيقة للاستخبارات الفرنسية عام 1996 أن إسرائيل لعبت دورا أساسيا في تدهور الأوضاع الأمنية، بعد أن سلَّحت جيشيْ البلدين، وعرضت حمايتهما من هجمات جماعات الهوتو، وفي الوقت نفسه باعت السلاح للمتمردين، لإدامة دورة العنف وضمان استمرار الطلب على خدماتها.
في جنوب غرب القارة، سَعَت تل أبيب في أنغولا إلى دعم حركة "يونيتا" بقيادة جوناس سافيمبي في الثمانينيات عبر برامج سرية للتسليح والتدريب، مقابل الحصول على امتيازات الوصول إلى مناجم الألماس.
أما في جنوب السودان، فقدمت إسرائيل خبراء عسكريين، والكثير منهم من يهود الفلاشا، لدعم الحركة الشعبية بقيادة جوزيف لاغو منذ السبعينيات بتنسيق مع أوغندا.
وقد استمر تدفُّق السلاح الإسرائيلي، وبخاصة بنادق جليل وتافور، إبان الحرب الأهلية الطاحنة التي اندلعت بعد الاستقلال مباشرة بين رئيس جنوب السودان سلفاكير ميارديت ونائبة رياك مشار وخلَّفت مئات الآلاف من القتلى وصاحبتها انتهاكات إنسانية جسيمة وجرائم حرب واسعة.
وقد لعبت شركات أمن إسرائيلية خاصة ومرتزقة دورا بارزا في تسليح وتدريب ميليشيات قبلية، مثل شركات "ليف دان" و"الشبح الفضي"، وكذلك شاركت واجهات تجارية دولية مملوكة ليهود مثل "بول باريل" وشركة "أباك"، وهما شركتان فرنسيتان مملوكتان لعناصر يهودية كانت تنفذ المخططات الإسرائيلية لإشعال النزاعات وإضعاف أي نظام يسعى إلى الاقتراب من الدول العربية.
يتضح إذن أن تل أبيب لم تكن فقط طرفا حكوميا في تجارة السلاح، بل مركزا لشبكة عابرة للحدود من الشركات والوسطاء. هذا الامتداد بطول القارة وعرضها يعكس خطا ثابتا في السياسة الإسرائيلية يعمل على توظيف التعاون العسكري الاستخباري أداة للنفوذ في القارة، ويعتمد على بيع أدوات القمع وشراء النفوذ، فيما تدفع الشعوب الأفريقية ثمنا باهظا من دماء أبنائها واستقرار بلدانها.
نمط واحد من رواندا إلى غزةبعد استعراض نمط التعاون الإسرائيلي مع أنظمة الفصل العنصري والدكتاتوريات في القارة، تأتي الإبادة الرواندية عام 1994 أوضح مثال على تسليح إبادة بدعم إسرائيلي مباشر. فهذه الإبادة، التي أودت بحياة ما يقارب 800 ألف شخص في 100 يوم، لم تكن نتاج خطاب الكراهية وحده، بل ارتبطت أيضا بتدفق السلاح والتدريب والدعم الاستخباري.
وتشير تقارير صحفية واستقصائية إلى أن إسرائيل كانت من بين الدول التي واصلت تصدير السلاح إلى رواندا حتى في ذروة المجازر. فقد كشفت صحيفة هآرتس أن أسلحة إسرائيلية جرى توريدها عبر صفقات قبل وأثناء الإبادة، رغم تحذيرات مبكرة من إمكانية استخدامها في جرائم جماعية.
كما نشرت منصة "مجلة 972+" شهادات ووثائق تؤكد أن السلاح الإسرائيلي وصل إلى أيدي قوات الحكومة والميليشيات المسؤولة عن المذابح، وأن الدعم استمر حتى بعد فرض حظر التسليح الدولي، وأن تل أبيب كانت على دراية تامة بخطورة الأزمة في رواندا والمجازر الجارية آنذاك، واستمرت في دعم النظام الحاكم.
توضح قاعدة بيانات "من يُسلح الحروب" التابعة لجامعة تافتس أن إسرائيل كانت ضمن موردي السلاح الرئيسيين إلى رواندا أثناء مذابح التسعينيات، وأنه في الفترة بين عامي 2006-2010، وثَّق معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام أن رواندا كانت ضمن قائمة الدول الأفريقية العشرة الأعلى في تلقي أسلحة من إسرائيل.
وقد وصل الأمر إلى ساحة القضاء الإسرائيلي، حيث رفع المحامي إيتاي ماك وآخرون دعاوى أمام المحكمة العليا لإجبار وزارة الدفاع على كشف سجلات صفقات السلاح مع رواندا بين عامي 1990-1995.
وبعد عامين من الشد والجذب أمام القضاء (2014-2016) قرَّرت المحكمة العليا أن السجلات التي تُوثِّق مبيعات الأسلحة الإسرائيلية إلى رواندا أثناء الإبادة الجماعية عام 1994 ستظل مخفية عن العامة، وأبقت الملفات سرية بدعوى حماية "الأمن القومي".
وقد استشهد القضاة في قرارهم بالبند التاسع من قانون حرية المعلومات الإسرائيلي، الذي يسمح للحكومة بحجب الوثائق إذا "كان الكشف عن المعلومات ينطوي على خطورة إضرار بالأمن القومي"، وبهذا حُرِم الضحايا وذويهم من حق الاطلاع على الحقيقة الكاملة حول دور إسرائيل في تسليح واحدة من أبشع جرائم الإبادة في القرن العشرين.
يطرح هذا التورُّط مفارقة صارخة، فبينما حاولت إسرائيل لاحقا تقديم مساعدات إنسانية لضحايا رواندا لتلميع صورتها، ظلت بصمتها في الإبادة واضحة، وقد علَّق موقع الانتفاضة الإلكترونية قائلا إن ما حدث في رواندا لا يمكن فصله عن سياسة إسرائيل الممنهجة في تصدير السلاح إلى مناطق النزاعات في دول أفريقية عديدة شهدت صراعات دامية.
إبادة رواندا إذن ليست حدثا عرضيا في سجل العلاقات الإسرائيلية الأفريقية، بل نموذج صارخ على أن "تصدير القمع" جزء أصيل من الدبلوماسية الإسرائيلية في القارة.
ومنذ مطلع الألفية الجديدة، بدا أن إسرائيل طوَّرت مقاربتها تجاه أفريقيا، فلم يَعُد الهدف كسر العزلة أو نسج دبلوماسية علنية فحسب، بل تحوَّل الأمر إلى ما يشبه دبلوماسية الأمن التي تبيع فيها إسرائيل أدوات القمع وتشتري مقابلها النفوذ والموارد. وهي مقاربة يمكن تسميتها بدبلوماسية عوزي نسبة إلى البندقية الإسرائيلية الأشهر التي صارت رمزا للتسليح واسع الانتشار في القارة.
لطالما كانت إسرائيل من بين أكبر 10 مصدري سلاح في العالم، وقد تزايدت صادراتها إلى أفريقيا منذ مطلع الألفية. ولم تعد المبيعات تقتصر على الأسلحة الخفيفة أو الذخائر، بل شملت منظومات متقدمة، مثل حصول القوات الجوية الإثيوبية على منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية سبايدر، وهو نظام دفاع جوي إسرائيلي متحرك قصير ومتوسط المدى نُشر حول سد النهضة كخط دفاع ضد أي تهديد جوي محتمل.
ويشير تقرير صادر عن فريق تحقيق تابع لمجلس الأمن إلى أدلة فوتوغرافية تؤكد وجود بنادق آلية من إنتاج شركة الصناعات العسكرية الإسرائيلية (IMI) في ترسانة جيش جنوب السودان وشرطته. وهذه البنادق، المعروفة باسم "غليل"، استُخدمت على نحو خاص من قِبَل الحرس الشخصي لكبار السياسيين وضباط الجيش البارزين.
وقد استخدم يسرائيل زيف -جنرال متقاعد بالجيش الإسرائيلي ومالك فريق الاستشارات الأمنية "غلوبال سي إس تي"- شركة زراعية غطاء لبيع حوالي 150 مليون دولار من الأسلحة لحكومة جنوب السودان، بما في ذلك البنادق وقاذفات القنابل والصواريخ المحمولة على الكتف، وقد فرضت واشنطن عقوبات على زيف عام 2018.
وبحسب نص بيان وزارة الخزانة الأميركية "حصل زيف على ولاء كبار مسؤولي حكومة جنوب السودان بالرشوة والوعود بالدعم الأمني، وخطط لتنظيم هجمات بواسطة المرتزقة على حقول النفط والبنية التحتية في جنوب السودان، في محاولة لخلق مشكلة يمكن أن تحلها الشركات التابعة له فقط".
لا تُصدِّر إسرائيل الأسلحة فحسب، بل تبيع أيضا نموذجا ناجحا لتأمين المكاسب من الطبقات المُهمَّشة التي تعصف بها الرأسمالية النيوليبرالية. ففي جنوب الكاميرون، حققت الشركات العسكرية الإسرائيلية ملايين الدولارات من بيع معدات لإحدى أكثر الدول ثراء بالنفط وأشدها لامساواة، وهي غينيا الاستوائية، إذ يضمن الحرس الرئاسي بقاء الرئيس تيودورو أوبيانغ في الحكم، وحماية شركات النفط الأميركية.
وفي عام 2008، وقَّعت إسرائيل صفقة أسلحة قُدِّرَت بـ100 مليون دولار مع غينيا الاستوائية، تضمَّنت زوارق شِلداغ وسفينة صواريخ ساعر، وهي نفسها التي تستخدمها البحرية الإسرائيلي لحصار غزة.
تتواجد تل أبيب أيضا في ساحة الأمن والتجسُّس، فلم يَعُد النفوذ الإسرائيلي في أفريقيا محصورا في تصدير السلاح فقط، بل تمدَّد إلى مجال المراقبة والاستخبارات، وهو ما تناوله الدكتور سعيد ندا والباحث عبد الغني دياب في مقاليْن بموقع "غيسكا" المتخصص في الشئون الأفريقية، حيث شهدت السنوات الأخيرة صعودا لافتا للشركات الأمنية الإسرائيلية التي يديرها غالبا متقاعدون من الجيش وأجهزة الاستخبارات.
ففي الكونغو الديمقراطية، تعاقد الرئيس فيليكس تشيسكيدي سرا مع شركة أمن إسرائيلية خاصة لحمايته، بينما كثفت مجموعة "مير" الإسرائيلية أنشطتها في البلاد لتدريب قوات النخبة والحرس الجمهوري، في وقت لجأ فيه سلفه جوزيف كابيلا إلى شركة "بلاك كيوب" سيئة السمعة للتجسس على معارضيه، حتى وصل الأمر إلى تحويل أحد فنادق كينشاسا إلى مقر عمليات للتنصُّت وجمع المعلومات الاستخبارية.
وفي الكاميرون، وثق تحقيق "أفريكان أرغيومنتس" كيف لعبت جيوش الظل الإسرائيلية دورا مباشرا في تأمين حكم بول بيا الممتد منذ عام 1984 عبر تدريب وحدة التدخل السريع التي ارتبط اسمها بعمليات إعدامات ميدانية وانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان.
أظهرت التحقيقات أن أدوات المراقبة والاستخبارات الخاصة لم تعد تقتصر على التنسيق الأمني، بل تُستخدم عمليا لتعقُّب منظمي الاحتجاجات وتتبع هواتفهم، وتوفير معلومات لتنفيذ اعتقالات ميدانية وتفريق التظاهرات.
كما كشفت تقارير عن استخدام تقنيات شركات إسرائيلية مثل "سيركِلز" و"إن إس أو" و"فيرينت"، التي أصبحت مهيمنة على سوق المراقبة الإلكترونية في أفريقيا جنوب الصحراء.
في خضم هذا التعاون، يجري تبادل الأمن مقابل الموارد والدعم السياسي، فلم تكن هذه العقود مجرد صفقات تجارية، بل غالبا ما تُقايَض مباشرة بالذهب واليورانيوم والماس، فضلا عن مواقف داعمة لإسرائيل في المحافل الدولية.
وعلاوة على ذلك، تلعب أفريقيا دور حقل تجارب لتقنيات الاحتلال، حيث تتعامل إسرائيل مع القارة مساحة اختبار حية لتكنولوجيات الاحتلال، فالمُسيَّرات التي جُرِّبَت في غزة، وتقنيات المراقبة التي طُورت في الضفة الغربية، وأدوات السيطرة على الحشود التي استُخدمت ضد الفلسطينيين، جرى تسويقها لاحقا في أفريقيا تحت لافتة مكافحة الإرهاب أو حماية الاستقرار.
غزة ليست استثناءوظفت إسرائيل "دبلوماسية عوزي" إذن تحت غطاء تعزيز الاستقرار النتيجة العملية: أنظمة أقدر على القمع، ومجتمعات أقل قدرة على التعبير أو المقاومة، ولذا نرى من التعاون الإسرائيلي مع دول القارة أن غزة ليست استثناء منفصلا عن ممارسات إسرائيل في أفريقيا، بل هي التعبير الأشد وضوحا عن منطق واحد يتكرر باستمرار، هو عسكرة الصراعات وتسليح الإبادة أداة لبناء النفوذ وتكريس الهيمنة.
لقد عرَّت حرب غزة صورة إسرائيل في أفريقيا، وقوَّضت جانبا مهما من جهودها التي تكثَّفت في عهد نتنياهو، حين بدت قريبة من الحصول على صفة مراقب في الاتحاد الأفريقي. لكن الضربة جاءت من الداخل الأفريقي نفسه، بعدما قادت الجزائر حملة لإسقاط تلك المحاولة مدعومة بعدد من الدول العربية والأفريقية، فيما ازداد الدعم العلني لغزة من جنوب أفريقيا إلى ليبيريا.
إن الطائرات التي قصفت غزة ولبنان، واستباحت سماء سوريا، واعتدت على إيران وقطر، ويتبجَّح نظامها المدعوم أميركيا على مصر وتركيا، ليست سوى الأدوات ذاتها التي جُرِّبَت في أفريقيا وسُوِّقَت على أنها "مُجرَّبة في المعارك"، كي تُستخدم لاحقا في قمع الاحتجاجات أو حماية أنظمة استبدادية أفريقية.
وهنا يظهر البعد الأعمق: إسرائيل لا تكتفي بتصدير السلاح، بل تُصدِّر نموذجا كاملا للسيطرة والإبادة؛ نموذجا فضح ازدواجية الخطاب الغربي الذي يتغاضى عن هذا التاريخ الدموي ويواصل تبرير التعاون العسكري معها.
مما سبق، يتضح أن ما يجري هو انتقال نظرية شد الأطراف إلى طور جديد، فلم تعد المساعدات الزراعية أو التكنولوجية الأداة الرئيسة، بل السلاح وأنظمة الأمن والمراقبة، إذ تغذي إسرائيل الطرفين المتقاتلين أحيانا عن عَمد لضمان استمرار الاقتتال وتعميق هشاشة الدول، بحيث تبقى هذه المجتمعات رهينة التبعية وتدفق الثروات نحو تل أبيب، في تطوير عملي لإستراتيجية بناء شبكة نفوذ إقليمي–دولي تجعل إسرائيل وكيلا للإمبريالية العالمية.
هنا تلتقي نضالات الأفارقة والفلسطينيين، إذ إن مواجهة الاستعمار الجديد تتطلَّب وحدة حقيقية في أفريقيا والجنوب العالمي، وتاريخ إسرائيل في أفريقيا يكشف أنها ليست إلا نموذج صارخ للاستعمار المستمر، كما أوضح أنطوني لووينشتاين في كتابه "معمل فلسطين"، فالاحتلال الإسرائيلي ليس تجربة محلية مغلقة، بل مختبرا تُصدر نتائجه إلى العالم بأسره.
ولذا فإن غزة تُمثِّل صورة مكثفة لما ينتظر مُدُنا أخرى في الجنوب إذا لم تُبنَ حركة تضامن جنوب-جنوب قادرة على مقاومة هذا النمط وكسر دائرة الإبادة.
إقرأ المزيد


