الجزيرة.نت - 1/13/2026 12:07:43 AM - GMT (+3 )
Published On 12/1/2026
|آخر تحديث: 23:53 (توقيت مكة)
شارِكْ
يعتبر الرحم أول "مختبر حسي" يتعرف فيه الجنين على العالم. وتشير الدراسات الحديثة إلى أنه لا يستطيع سماع الأصوات هناك فحسب، بل يبدأ بـ "معالجتها" وتخزينها في ذاكرته العصبية، مما يضع حجر الأساس لتطوره اللغوي والعاطفي مستقبلاً.
متى وكيف تبدأ "لحظة السماع" الأولى؟تبدأ حاسة السمع رحلتها المعقدة في وقت مبكر جداً؛ حيث تتشكل المكونات الهيكلية للأذن الداخلية بحلول الأسبوع 15، لكن "السمع الفعلي" يبدأ عندما تصبح القوقعة (عضو السمع) فعالة ومرتبطة بالدماغ، وهو ما يحدث تقريباً بعد الأسبوع 24 إلى 27 من الحمل.في هذه المرحلة، تبدأ الأصوات الخارجية في إعادة تنظيم "القشرة السمعية" في دماغ الجنين.
بما أن الجنين محاط بالسوائل، فإن الأصوات لا تصله كما نسمعها نحن. جدار بطن الأم والسائل الأمنيوسي يعملان بمثابة مرشح يقوم بـ:
- امتصاص الأصوات الحادة: إذ يتم كتم الترددات العالية، بينما تنتقل الترددات المنخفضة (مثل أصوات حروف العلة) بوضوح أكبر.
- السمع عبر العظام: بالإضافة للأذنين، يشعر الجنين بالصوت عبر اهتزازات جمجمته وجلده، مما يجعل السمع تجربة "جسدية" وليست مجرد حاسة أذن.
وينقسم العالم الصوتي للجنين إلى مصدرين رئيسيين يخلقان بيئة ديناميكية لحاسة السمع:
- الأصوات الداخلية (إيقاع الأم): الرحم مكان صاخب؛ فصوت ضربات قلب الأم، وتدفق دمها، وحركات جهازها الهضمي تخلق خلفية صوتية مستمرة. هذا الإيقاع المنتظم هو السبب في أن المواليد يهدأون بمجرد أن تضمهم أمهاتهم إلى صدورهن.
- الأصوات الخارجية (النافذة نحو العالم): فيما يتعلق بالأصوات الخارجية، فإن صوت الأم هو الأكثر هيمنة ووضوحاً لأنه ينتقل عبر الهواء وعبر اهتزازات جسدها. كما يستطيع الجنين تمييز الموسيقى والأصوات البيئية، بل ويظهر ردود فعل فسيولوجية تجاهها مثل تغيير معدل ضربات القلب أو زيادة حركته.
تؤكد الأبحاث أن البيئة الصوتية تؤثر على ما يسمى بـ "مثيلة الحمض النووي" (DNA Methylation)، وهي آلية تتحكم في كيفية تعبير الجينات عن نفسها، مما يعني أن الأصوات قد تؤثر حرفياً على تطور دماغ الطفل.
إعلان
إذ أثبتت الدراسات أن الجنين يمتلك نوعاً من "التعود" (Habituation)؛ فإذا تعرض لصوت مكرر، يبدأ في تجاهله مع الوقت، مما يدل على أن دماغه بدأ في التعلم والتمييز. بل إن تعرض الجنين لأنماط لحنية معينة يبني لديه "تمثيلات عصبية" تظل مخزنة في ذاكرته لمدة تصل إلى أربعة أشهر بعد الولادة.
وبسبب تأثر الدماغ بالأصوات التي يسمعها جنينك فلا بد من تجنب الضوضاء المفرطة. رغم أن الرحم يحمي الجنين، إلا أن الأصوات العالية جداً والمستمرة (خاصة في أماكن العمل الصاخبة التي تتجاوز مستويات معينة) قد تسبب ضغطاً على الجهاز السمعي النامي.
وفي حالات الولادة المبكرة، تكون أذن الخديج حساسة للغاية، لذا يجب الحفاظ على هدوء شديد في وحدات العناية المركزة (أقل من 45 ديسيبل) لضمان تطور عصبي سليم، حيث أن الضجيج العالي في هذه المرحلة قد يؤدي لمشاكل سمعية لاحقاً.
الدليل العملي للأم.. كيف تخلقين بيئة صوتية مثالية؟1 – قوة الحديث المستمر (بناء جسور لغوية): لا تكتفي بالحديث "عن" جنينك، بل تحدثي "إليه"؛ فصوتك هو الأداة الأقوى لبناء "الشبكات اللغوية الأولية" في دماغه. أثبتت الدراسات أن المواليد يظهرون استجابة مذهلة وتفضيلاً للغة الأم (اللكنة والتردد) التي سمعوها وهم أجنة، مما يعزز مهارات التواصل لديهم فور خروجهم للعالم.
2 – سحر الموسيقى وتأثير "موزارت": يُنصح بالاستماع لموسيقى ذات إيقاع منتظم وهادئ، وهنا يبرز "تأثير موزارت" (Mozart Effect)؛ حيث تشير بعض النظريات إلى أن تعقيد وتناغم ألحانه يتوافق مع الترددات العصبية للدماغ، مما قد يحفز التطور المعرفي ويحسن قدرة الجنين على معالجة الأصوات المعقدة. هذه الموسيقى لا تهدئ الجهاز العصبي للجنين فحسب، بل تخفض أيضاً مستويات التوتر لدى الأم، مما ينعكس إيجاباً على بيئة الرحم.
3 – بناء رابطة "ألفة" مع الأب والمحيطين: بما أن الترددات المنخفضة تخترق الرحم بوضوح أكبر، فإن صوت الأب "الجهير" يسهل تمييزه من قبل الجنين. تشجيع الأب على التحدث أو القراءة بالقرب من البطن يخلق نوعاً من "الألفة السمعية"، مما يجعل الطفل يهدأ ويشعر بالأمان عند سماع نفس الصوت بعد الولادة، وهي بداية تكوين الرابطة العاطفية.
4 – تجنب "الصدمات الصوتية" والانفعالات الحادة: يعمل الرحم كمرشح، لكنه لا يحجب الأصوات العنيفة تماماً؛ فالصراخ أو الضجيج المفاجئ (مثل آلات المصانع أو الموسيقى الصاخبة جداً) قد يسبب "فزعاً" للجنين. هذا الضجيج يرفع من هرمونات التوتر (مثل الكورتيزول) في دم الأم والجنين، مما قد يربك نمط نومه ويؤدي إلى اضطراب في ضربات قلبه.
5 – التوازن هو المفتاح: الهدف ليس تعريض الجنين لأصوات مستمرة طوال اليوم، بل خلق "فترات نوعية" من التواصل الصوتي الهادئ، تتبعها فترات من السكون، لمحاكاة الإيقاع الطبيعي للحياة وتجنب الإجهاد الحسي للجهاز السمعي النامي.
إن الأصوات التي يسمعها جنينك اليوم هي التي ستشكل ذوقه، وقدراته اللغوية، ورابطته العاطفية معكِ. لذا احرصي على تغذية سمعية لطيفة في فترة الحمل، وتحدثي معه باستمرار، فصوتك هو "اللحن" الذي سيختاره طفلك من بين آلاف الأصوات فور ولادته.
إعلان
إقرأ المزيد


