عباس بيضون للجزيرة نت: لستُ القارئ المنشود لشعري.. والكتابة كائن مستقل يندهش منه صانعه
الجزيرة.نت -

كيف يمكن البدء أو الاستهلال باستفهام حذر عند محاورة الشاعر والروائي اللبناني عباس بيضون؟ كيف يمكن إيجاد صلة أو عبارة أو سطر أو حرف أو مفردة، للوصول عبرها إلى جسور من عبارات الشاعر المكثفة ومفرداته المقتصدة، ولغته التي تميل إلى التقشف حد الزهد العميق؟ ففي نزوعه لإضمار أكثر من معنى وأجزل من دلالة خلف ما يبدو بعيداً أو غامضاً، يكمن قربها من صوابية قلما تُطرح في زمن الإسهابات والسيولة المفرطة.

من هنا، ومن بين تجاويف الأحرف وأدغال المعنى الذي ينتظر كشفاً لمضمراته الخفية، انطلقت الأسئلة التي بالكاد تصل إلى غايتها في سياق المقال والمقام.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

ولأن عباس بيضون هو الشاعر والكاتب "فقط"، حتى إنه يصرح قائلاً: "لا أعرف مهنة غير ذلك"، فقد خضنا معه في هذه المقابلة غمار أبعاد أعمق، يمكن من خلالها استكشاف الشعر والحرب والثقافة والفلسفة وفنار بيروت، بالإضافة إلى "المراكز الثقافية العربية" التي كانت مجرد ذريعة.

هذه استراحة لشاعر محارب لم يضع يوماً إصبعه على زناد، ولم يطلق سوى شرارة القصيدة المرتجاة، محضرًا كيمياء الفن الشعري منذ عقود طويلة مضت. وما زال واقفاً في مختبر عزلته، يغذّي شغف علاقته بالكتابة والغياب، الذي يراه ذروة للحضور والموقف المقاوم عبر الفن. وهو متمرد أيضاً، فناً ورؤية، من خلال سرده الروائي وشعره الأكثر جسارة وحضوراً في زمن "الخسارات" التي تنتشر من حولنا.

ويرى عباس بيضون، الذي يتقن التنقيب في منجم اللغة والبيان، أن "الشعر ابن الشك".

وهو صاحب "صور وحجرات" والمؤسس لبهاء قصيدة النثر بخصوصية فريدة لا تكاد تشابه أحداً.

حتى الشاعر عباس بيضون نفسه، يرى في اختزال هنا أن الشعر كله يتمثل في قوله: "اللبناني اليوم ابن خسارة لا يكاد يملك سواها".

  • في ديباجتك لكتاب الأعمال الشعرية لـ"آرتور رامبو" (Arthur Rimbaud)، التي قدمت ترجمتها التي أنجزها كاظم جهاد، تستهل مقدمتك بعمق غير مسبوق، لافتاً إلى ما تسميه: "استئناف رامبو إلى العربية لأول مرة"؟

إعلان

أشكرك لتذكيري بهذا النص الذي كتبته من عقود. دفعني ذلك إلى إعادة قراءة هذا التقديم لترجمة كاظم جهاد للأعمال الكاملة لرامبو.

يتناول هذا النص حضور رامبو في الشعر ونظرية الشعر العربيين. هذا الحضور، بحسب النص، يفهم الشاعر على نحو يتماهى مع مضمرات في القصيدة الحديثة، التي تمزج بين تجديد يواصل، دون وعي، ميراثاً من الفصاحة كامناً في طبيعة اللغة وقابلياتها.

وهكذا جرى فهمنا لكيمياء اللغة، خصوصاً في الشعر، على أنها ترتد إلى فصاحة معكوسة، أي عودة إلى إيقاع شامل يتوالد فيه الكلام دون قصد، سوى هذا الترجيع الذي لا يترك سواه.

لست هنا لتلخيص النص، بل لأقول إنني تحدثت عن رامبو العربي، لأوضح أننا حملنا رامبو ما يتوافق مع حاجات خاصة قصدناها، أو ربما كانت خافية علينا. كان ذلك جزءاً من مشروعنا الخاص الذي لا نفاجأ به حين يبدو في جميع الحقول واهياً وغير ذي سند حقيقي.

تحدثت عن رامبو العربي، لأوضح أننا حملنا رامبو ما يتوافق مع حاجات خاصة قصدناها، أو ربما كانت خافية علينا

  • هل تتعمد تحويل ثيمات الموت والغياب والذاكرة إلى لغة شعرية ذات بعد وجودي وفلسفي له دلالات عميقة؟

لا أتعمد شيئاً. أنا لست القارئ المنشود لشعري. ثيمات هذا الشعر وأجواؤه وطواياه متروكة بالطبع للقارئ، الذي يصادف أنه وحده من يمنحها، لا معنى فحسب، بل مبنى وقواماً.

أما الفلسفة، فأنا ممن يرون أن للشعر، بحسب الشاعر والقصيدة، ما يمكن اعتباره فكراً مضمراً؛ ليس مضمراً فحسب، بل هو سفلي، ويتجلى في طي الكلمات.

إنه ليس أحكاماً بالطبع، بل إيعازات وأشكال وحركات فحسب. إنه روح الفكرة وما يكمن تحتها، إنه الفكرة ذاتها وقد استحالت إيقاعاً وصورة. إنه حركتها وتململها ومتاهها.

شعري، وأي شعر آخر، هو هذه الفلسفة التي هي أيضاً معاناة، كما هي صوت لفكر مجروح وأعمى يرتطم بنفسه، ويتحرك داخل اللغة التي تلفظه وتخرجه إلى ضوء نصفي، نهار ناقص، إشارات وإيقاع.

ألف بيضون مجموعة من الروايات والدواوين الشعرية حصل بعضها على جوائز وترجمت إلى عدة لغات (الجزيرة)
  • هل دفعتك صداقات حميمة مع شعراء كالراحل إسكندر حبش وجوزيف عيساوي وآخرين، بالتزامن مع تأسيس وإصدار نشرة "الأخير أولاً" الشعرية في "بيروت الشرقية" منتصف الثمانينات، إلى لمس خيط تلك المرحلة في ربط شعريات عربية بأفق بيروت الشعرية وساحة الحمراء؟

إن ما مثلته بيروت للشعراء العرب وللثقافة العربية، لا يُنسى بالطبع، لكنه لا يُذكر أيضاً في معرض التباهي أو التحسر أو التذكار فحسب.

كانت بيروت كذلك في وقت كانت فيه الحاجة ماسة إلى مركز كهذا. وبالتأكيد، لم يعد هذا قائماً اليوم. كانت بيروت آنذاك عاصمة لأمور عدة، لكنها سرعان ما توزعت على الأقطار الأخرى.

صار لكل بلد عربي مراكزه الخاصة، والشعر بالطبع منها. وما أهل بيروت لذلك هو أنها كانت ظرفاً سياسياً وثقافياً جعل منها موقع استقبال لما بدأ يشمل العالم العربي.

كانت الحركة الشعرية الجديدة في مستهلها، وكانت بيروت لا تضيق بها. فمن طبعها هذا الرضا بالمستجدات. ثم إنها، لظرف سياسي واجتماعي، كانت بلداً حراً، وليست كل المدن العربية على هذه الشاكلة، فوجدت نفسها إضافة لكل ما بدأ الحاضر يستورده أو يرتجله أو يعرض له.

إعلان

هذه المدينة، التي كانت الأسبق للتغرب، صارت ملعباً لهذه الواردات ذات المنشأ الغربي. وهكذا ولدت "الأخير أولاً" وغيرها. إنها قصة حماسة وجدت مكانها المناسب.

توزع هذا، كما ذكرت، على العواصم الأخرى. ثم إن بيروت خاضت بحماس أيضاً حروباً أهلية متصلة، خلطت الحرية بالفوضى، وجعلتها أقل استقراراً وأقل جذباً.

الآن هي في مفصل تاريخي حاسم، وما هو على المحك ليس دورها فحسب، بل وجودها نفسه. لكن هذه قصة أخرى، فما بعدها قد لا يذكر بماضيها القريب هذه المرة، وقد يواصله لكن بصورة مختلفة، وربما معكوسة.

لظرف سياسي واجتماعي، كانت بيروت بلداً حراً، وليست كل المدن العربية على هذه الشاكلة

يستلهم بيضون في رواية الشيخ الأحمر التاريخ ليلقي العديد من الأسئلة المعاصرة (الجزيرة)
  • تبدو تجربتك الممتدة لعقود متوزعة بين كتابة قصيدة النثر (من الموت يأخذ مقاساتنا) وأعمالك السردية بمواضيعها المفارقة واللافتة؟

لا أعرف، لكنني وجدت نفسي شاعراً، ومنذ ذلك الحين لم أتوقف. أنا كاتب فحسب، ولا أعرف، بل لا أستطيع، ممارسة مهنة أخرى.

  • يرى البعض أن الحوار معك هو استنطاق للتجربة بأفقها الذي تبقيه مفتوحاً على التفاعل بين النص وأسئلة الرواية والقصيدة والمقال، الذي يتسم بالحذر في كثافته واختزاله؟

للنص أسئلته، بل كل نص هو سؤال بحد ذاته، سواء كان شعراً أو رواية أو حتى مقالاً. تتمتع الكتابة دائماً بذلك الكيان الذي يحفظ بقاءها، بقدر ما هي مالكة لذاتها ومستقلة نسبياً عن صانعها.

  • بأسلوب بسيط وعميق، سهل وممتنع، يكاد يتفلت من نخبوته، هل تستفز شغف قارئك بذائقة معتدة بنفسها؟

هذه قراءتك التي تهمني كثيراً. يهمني كيف يصبح نصي، الذي لا يملك قواماً إلا ما يصنعه القارئ لديه. لكن ليس من حقي أن أكون الكاتب والقارئ في آن معاً. من المنطلق ذاته، أقول إن قراءتك هذه لنصي تثير اهتمامي كثيراً وتفاجئني. أنا سعيد بها وأترقبها دائماً، لكني لا أملك حيالها سوى الدهشة، فأقول لنفسي: "هل كتبت ذلك حقاً؟"

  • في الشعر، وهو الجانح إلى كتابة ضد المحو، كيف تتعامل مع فكرة الفقد كمادة للكتابة؟

هل الشعر فعلاً ضد المحو؟ أظنه، لفرط ما يضمر وينطوي على كلامه، ولفرط ما يحاذي الصمت ويكاد يكون صدى له، فإنه قلق، وربما يخشى أن يغدو صمتاً.

  • هل تجاوز الشعر، برأيك، مدرعة السياسي، وأنت أحد أبرز علامات الشعر اللبناني والعربي اليوم ومنذ عقود؟

عندما نتحدث عن السياسي في الشعر، فإن ما نرفضه ليس الجانب السياسي في حد ذاته، بل الطابع الخطابي. فالسياسة لا تناقض الشعر، وليست مجرد دعاية أو تحريض.

ما لا يحتمله الشعر حقًا هو الدعاية والتحريض؛ ذلك الكلام الفج الذي ينفر منه، لأنه يجاور الصمت، لا في البث وحده، بل يكاد يكون شكلاً آخر منه.

السياسة متجذرة في عمق الحياة، وقد تمتد أيضاً إلى الميتافيزيقا، ولا يستطيع الشعر أن يلامس الحياة أو يباشرها دون أن يمر عبرها.

يرى بيضون أن الشعر لا يرفض السياسي بل يرفض الخطابي والمحرض (الجزيرة)
  •  كيف تجد لبنان اليوم، بذاكرته المثقلة بالحرب، وتشييع الخسارات، وخيارات الساسة والفصائل؟

الحرب، للعجب، هي المحرك الأساسي للأدب اللبناني الحديث. هذه الحرب اللعينة أدخلت الأدب إلى المدينة وأخرجته من البادية والريف.

تدفع الخسارات الأدب نحو لغة عارية وفاضحة، ونحو قسوة وعصبية وخيال رهبوي. الأدب هو ابن هذه الحرب، والثقافة كلها كذلك. لبنان الآن قد يكون على وشك حرب. واللبناني اليوم هو ابن خسارة قد تكون كل ما يملكه.

الحرب هي المحرك الأساسي للأدب اللبناني الحديث، الحرب أدخلت الأدب إلى المدينة وأخرجته من البادية والريف

  • من يبقى إذاً؟ وهل الشعر جدير بوجودات تتظاهر بالحرية تحت جلباب ولاءات شتى، بينما يظل هو زاهداً في ظلال مغاراته البعيدة؟

ليس للشعر جدارة من أي نوع. وليس مؤكداً له أي حق، بما في ذلك حقه في الوجود. إنه ابن الشك، والواقع الفظيع قد يجعله يشعر أكثر بأن ثمة حاجة له، وأنه قد يكون موجوداً لذل

إعلان

  • بين الشعر والرواية أيهما أقرب للحقيقة؟ وهل القصيدة جديرة بالتاريخ وهوامش الكتابة المتوارية خلف عزلاتها؟

بين الشعر والرواية لا يملك أيهما الحقيقة. يمكن للشعر أن يكون ما يريده، أن يكون مفكرة أو هامشاً أو تعليقاً أو حكاية أو افتضاحاً. المهم أن يكون مطلبه الأول هو الشعر.

  • هل تستطيع القصيدة أن تكون نزلاً واسعاً للغريب أو وطناً بديلاً للمفارق خارج البيت وداخل التجربة؟

كتبت مطولات عن مدن إحداها عن بيروت بعنوان ما زلت أتبناه وهو: "دقيقة تأخير عن الواقع". بيروت لا تزال منزلي. لم أولد فيها لكننا جميعاً بيروتيون.

يمكن أن يشاركني في هذه النسبة أصدقاء آخرون عرب وغير عرب. ويمكنك أنت أن تشاركني فيها. ليست القصيدة نزلاً بل يمكنها أن تجعلنا أكثر غربة لأنها غريبة بالأساس.

  • أية بلاغة تتجاوز لغة الشعر؟ وهل تبقى للشعر من خرائط أو حدود وملاذات؟

هناك بلاغة تتجاوز الشعر. لكن الشعر ليس مهدداً بذلك. فالبلاغة سر يمكن أن نجده في أي مكان.

  • بين المكتوب والشفاهي المسموع والرقمي، وبين قصيدة الشاشة والسيرة وتأثيراتها، أين يقف الشعر؟

الشعر كان موجوداً باستمرار. ليس في كل ذلك ما يهدده. إنه يطمح دائماً إلى الوصول إليه. لكننا نتساءل: هل لا يزال الشعر معاصراً؟ وهل بقي في زمنه أو بقي له زمن؟ أين سيكون الشعر – أو أين سيكون الأدب كله – في عصر الذكاء الاصطناعي؟

  • وأين تقف كذات قلقة بعد أن كتبت حتى جف الحبر وما زلت تنهل من ينبوع التجربة وألمها موزعا كعربي بين تقاطعات الثقافة ومراكزها؟

لم يكن للعرب في أيامنا مركز ثقافي كبير. السؤال هو: أين تصير الثقافة في زمن يتضاءل فيه الإنسان وأحواله؟ وأين يصير هو حين تسبقه الآلة؟ حين تستطيع الآلة في دقائق أن تنهي ما يحتاج منه إلى شهور؟ ألن تغدو الثقافة مجرد لعبة؟ ألن يغدو الشعر والأدب كله مجرد لعبة فحسب؟

  • لو خيرت بين أن تكتب "شاهد قبر" ببيت شعري واحد يلخصك ماذا كنت ستكتب؟

لا أختار شاهد قبر. يعجبني ما مات. ويعجبني ما تركه المعري ليكون على شاهد قبره.

  • هل تستطيع العيش والتنفس خارج ذاكرة الشعر والكتابة، بمعزل عن اللغة والوجود المتخيل؟

أنا كاتب فحسب. هذا ما أحسب أنني أحسنه. في غيره، أنا فاشل تماماً.



إقرأ المزيد