هل تسعى إسرائيل لإحياء وثيقة "كيفونيم" وتفتيت الدول العربية؟
الجزيرة.نت -

طرحت حلقة الاتجاه المعاكس (2026/1/6) أسئلة حادة حول ما إذا كانت التحركات الإسرائيلية في المنطقة تعكس مشروعا منظما لتفتيت الدول، وفق وثيقة “كيفونيم”، أم مجرد استثمار سياسي في أزمات عربية داخلية.

واستهل مقدم البرنامج فيصل القاسم النقاش بربط الاعتراف الإسرائيلي بما يسمى "جمهورية أرض الصومال" بسلسلة تطورات متزامنة في اليمن وسوريا، معتبرا أن هذا التوازي يثير الشكوك بشأن وجود مخطط يتجاوز الحالات المنفردة نحو إعادة هندسة المنطقة.

وتساءل القاسم عما إذا كانت إسرائيل تتحرك بوصفها فاعلا مباشرا في مشاريع الانفصال، أم أنها تستفيد من هشاشة داخلية صنعتها سياسات عربية، لافتا إلى أن دولا مثل السودان وليبيا والعراق شهدت مسارات تفكيك قبل أي تدخل إسرائيلي مباشر.

اقرأ أيضا list of 4 itemsend of list

وتعود وثيقة "كيفونيم"، التي نُشرت مطلع ثمانينيات القرن الماضي، لتُستحضر بوصفها إطارا فكريا لمشروع تفكيك المنطقة، إذ دعت صراحة إلى تقسيم الدول المحيطة بإسرائيل إلى كيانات طائفية وعرقية ضعيفة، بما يضمن تفوقها وبقاءها في محيط منقسم.

من تل أبيب، نفى الوزير الإسرائيلي السابق أيوب قرا وجود نية إسرائيلية لتقسيم الدول، مؤكدا أن بلاده تبحث عن الاستقرار والأمن، وأن وجودها في مناطق مثل القرن الإفريقي مرتبط بمحاربة ما وصفه بالإرهاب وحماية الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

واعتبر قرا أن "أرض الصومال" حالة انفصال قديمة تعود إلى تسعينيات القرن الماضي، وأن الاعتراف بها لا يخلق واقعا جديدا، منتقدا ما وصفه بازدواجية المعايير العربية تجاه التدخلات الإقليمية الأخرى، مقابل التركيز على إسرائيل وحدها.

وفي معرض حديثه عن سوريا، رأى قرا أن إسرائيل لم تتحرك إلا بعد أن وجدت مكونات، بينها الدروز، نفسها في مواجهة تهديد وجودي، معتبرا أن غياب الإدانة العربية لما جرى في السويداء دفع هذه المجموعات للبحث عن حماية بديلة.

إدارة الصراع

في المقابل، قدّم الباحث والكاتب الدكتور أحمد الهواس قراءة مغايرة، معتبرا أن إسرائيل منذ تأسيسها لم تقم على منطق السلام، بل على إدارة الصراع، وأن بقاءها في محيطها الإقليمي مشروط بإضعاف الدول المحيطة وتفتيتها إلى كيانات طائفية وعرقية.

وأشار الهواس إلى أن هذا التصور ليس استنتاجا شخصيا، بل ورد في كتابات وتصريحات غربية وإسرائيلية، من زبيغنيو بريجنسكي إلى شمعون بيريز، وصولا إلى أطروحات الباحث الأميركي رالف بيترز التي تحدثت صراحة عن تفكيك المنطقة.

وحول اعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال الانفصالي، شدد الهواس على أن الاعتراف الإسرائيلي بلا قيمة قانونية، لكنه يحمل دلالة إستراتيجية، موضحا أن إسرائيل تسعى للتموضع قرب باب المندب تحسبا لأي إغلاق محتمل للبحر الأحمر، في إطار هواجسها الأمنية التاريخية.

ورفض الهواس خطاب "حماية الأقليات"، معتبرا أنه غطاء سياسي، مؤكدا أن إسرائيل تستخدم هذه المكونات كورقة ضغط مؤقتة، قبل التخلي عنها، كما فعلت سابقا مع حلفائها في جنوب لبنان، حين انتهت وظيفتهم الأمنية.

وتوقف عند ما يسمى "دويلة الباشان"، معتبرا أنها ليست مشروع دولة، بل أداة ابتزاز سياسي، تُستخدم للضغط على الدولة السورية، مشيرا إلى أن إسرائيل تقصف الجيش السوري كلما حاول بسط الأمن في الجنوب.

وفي رده على تبرير قرا للتحركات الإسرائيلية بوجود "الإرهاب"، قال الهواس إن هذا الخطاب ترويجي، مستشهدا بنظريات علم النفس السياسي التي تقوم على تكرار المصطلحات لإقناع الجمهور، معتبرا أن إسرائيل تؤجج الصراعات ثم تقدم نفسها طرفا منقذا.

قوة عاجزة

كما رفض الهواس تصوير إسرائيل بوصفها القوة القادرة على حماية كيانات انفصالية، متسائلا عن جدوى هذه الوعود في ظل عجزها عن حسم معاركها، ومشيرا إلى أن تجربة غزة وجنوب لبنان تقدم مثالا على محدودية قدرتها.

وانتقد الهواس وضع الدروز والعلويين والأكراد في سلة واحدة، معتبرا أن هذا الطرح يلغي التاريخ الوطني لهذه المكونات، ويختزلها في أدوار وظيفية، تخدم مشروعا إقليميا لا يعترف بمنطق الدولة والمواطنة.

ورأى أن كثيرا من هذه الحركات تنشأ في "تنظيمات فراغ"، مستفيدة من ضعف الدولة المركزية، لكنها سرعان ما تُترك لمصيرها حين تتغير موازين المصالح، مؤكدا أن إسرائيل لا تحتفظ بحلفاء دائمين.

وفي ختام النقاش، طرح فيصل القاسم سؤالا عن الغياب العربي، متسائلا لماذا تُترك مناطق حساسة مثل الجنوب السوري دون اعتبارها مسألة أمن قومي عربي، ولماذا تُترك الساحة لإسرائيل كي تملأ هذا الفراغ.

واعتبر الهواس أن ضعف الموقف العربي أسهم في تمدد هذه المشاريع، لكنه شدد على أن الرهان على التفتيت محكوم بالفشل، مستحضرا تجارب تاريخية أظهرت قدرة المنطقة على تجاوز مشاريع التقسيم مهما طال أمدها.

وانتهت الحلقة عند مفترق حاد بين رؤيتين: واحدة ترى في التحركات الإسرائيلية سياسة استغلال لواقع عربي مأزوم، وأخرى تعتبرها تنفيذا واعيا لمشروع تفكيك قديم، لا يزال يجد طريقه إلى التطبيق بأدوات جديدة.

Published On 6/1/2026

|

آخر تحديث: 22:25 (توقيت مكة)

شارِكْ



إقرأ المزيد