الاقتصاد الأميركي بين عامين.. مؤشرات مرتفعة وسوق عمل متراجعة
الجزيرة.نت -

خلافا لتوقعات المحللين عند بداية العام، تأثر المشهد الاقتصادي الأميركي في عام 2025 بمجموعة من التحولات الهيكلية الجذرية والتقلبات الناجمة عن السياسات العامة، إلا أن أحدث البيانات المنشورة يؤكد متانة السوق المحلية وقدرتها على الصمود، تارة بفعل الإنفاق الاستهلاكي القوي، وأخرى بدعم من الإنفاق الاستثماري، الذي اقترب من أعلى مستوياته على الإطلاق، وتركز في أغلبه على البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

بدأ العام بحالة من القلق الشديد، مع إعلان إدارة الرئيس دونالد ترامب الثانية عزمها التحرك بسرعة لتنفيذ أجندة تجارية واسعة النطاق، كان منتقدوها يخشون أن تؤدي إلى ركود اقتصادي واسع.

وفيما أُطلق عليه "يوم التحرير" في أوائل شهر أبريل/نيسان، فرضت الولايات المتحدة تعريفات جمركية على أغلب وارداتها، ووصفت تلك التعريفات بأنها "متبادلة" بعد فرض الدول المشمولة تعريفات على مشترياتها من الولايات المتحدة. وفرضت واشنطن رسوما جمركية ضخمة، بنسبة 145%، على السلع الصينية، ما شكل عمليا نهاية لعقود من التعاون التجاري بين الدولتين.

ضخت الشركات الأميركية مليارات الدولارات في مراكز البيانات وبنية الذكاء الاصطناعي التحتية، الأمر الذي عكس مراهنة تلك الشركات على التكنولوجيا لمضاعفة الكفاءة المستقبلية

هذا النهج القائم على "الصدمة والترويع" دفع الأسواق في البداية إلى حالة من الاضطراب الحاد، وزاد من حدته أطول إغلاق حكومي في تاريخ البلاد خلال الربع الرابع من العام الماضي، الأمر الذي أدى إلى تأخير صدور بيانات اقتصادية بالغة الأهمية، وترك مجلس الاحتياط الفدرالي معصوب العينين لما يقرب من شهرين.

ومع ذلك، لم يتحقق الانهيار الاقتصادي الذي توقعه كثيرون؛ وعلى العكس، نما الاقتصاد بمعدل قوي بلغ 4.3% في الربع الثالث، مدفوعا بقانون "الفاتورة الجميلة الضخمة"، الذي نجح ترامب في تمريره في الكونغرس.

وفر القانون، الذي وصفه البعض بـ"الوحش المالي" دفعة تحفيزية قوية، شملت "رديات ضريبية" وتخفيف القيود التنظيمية، ما عوض الأثر التضخمي للحواجز التجارية الجديدة، رغم أنه خلق واقعا على شكل حرف K، شهد فيه أصحاب الدخول المرتفعة مستويات قياسية في أسعار الأصول التي يمتلكونها، بينما عانت الأسر متوسطة الدخل من معدل تضخم أساسي مستمر، لم يبتعد كثيرا عن معدل 3%.

إعلان

وكان من أبرز العلامات المميزة لعام 2025 بروز الذكاء الاصطناعي كركيزة حقيقية من ركائز نمو الناتج المحلي الإجمالي، حيث يشير بنك جيه بي مورغان، أكبر البنوك الأميركية، إلى أن الإنفاق الاستثماري المرتبط بالذكاء الاصطناعي ساهم في نمو الناتج المحلي الإجمالي الأميركي أكثر مما فعل الإنفاق الاستهلاكي في 2025.

وضخت الشركات الأميركية مليارات الدولارات في مراكز البيانات وبنية الذكاء الاصطناعي التحتية، الأمر الذي عكس مراهنة تلك الشركات على التكنولوجيا لمضاعفة الكفاءة المستقبلية.

وعلى الجانب الآخر، تراجعت سوق العمل الأميركية، ودخلت في حالة توازن يمكن وصفها بـ"قلة التوظيف وقلة التسريح"، حيث أصبحت فرص العمل محدودة، لكن حالات الاستغناء عن العمالة ظلت عند مستويات تاريخية منخفضة.

ومع الاقتراب من نهاية 2025، استقر معدل البطالة عند 4.6%، وهو الأعلى في أكثر من أربع سنوات، وبدأ مجلس الاحتياط الفدرالي سلسلة حذرة من تخفيضات أسعار الفائدة "الوقائية" لحماية سوق العمل الآخذة في التباطؤ.

وبنهاية شهر نوفمبر/تشرين الثاني، كان متوسط صافي الإضافات الشهرية للوظائف أقل من 55 ألف وظيفة، مقارنة بمستوى 139 ألف وظيفة في المتوسط الشهري لعام 2024، كما خسر أكثر من ربع مليون موظف حكومي أميركي وظيفتهم منذ بداية العام.

واختُتم العام بشعور من التفاؤل الحذر، إذ نجحت الولايات المتحدة في فك الارتباط مع العديد من شركائها التجاريين من دون هبوط حاد أو ركود اقتصادي، رغم استمرار "أزمة القدرة على تحمل تكاليف" أساسيات مثل الإسكان والرعاية الصحية، والتي ظلت تغلي تحت السطح كمصدر رئيسي للسخط الشعبي.

ومع التطلع إلى عام 2026، تشير أغلب التوقعات إلى سعي الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتحقيق طفرة اقتصادية كبيرة، كونه عام انتخابات يشهد التجديد النصفي للكونغرس، حيث يسعى ترامب للاحتفاظ بسيطرته على المجلسين.

ومن المتوقع أن يدعم هذا التوجه التلاشي التدريجي لما يمكن وصفه بـ"الركود التضخمي الخفيف" المدفوع بالسياسات، والذي هيمن الخوف من الوقوع فيه على الأسواق في أغلب فترات العام المنتهي.

ويتوقع معظم الاقتصاديين تراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي، مع عودته إلى وتيرة أكثر ثباتا تتراوح بين 1.8% و2.2%. ومن المنتظر أن تبلغ الزيادات التضخمية الكبيرة التي شهدها مطلع عام 2025، نتيجة تمرير الرسوم الجمركية، ذروتها في النصف الأول من 2026، قبل أن تشرع في الانخفاض نحو المستوى المستهدف من بنك الاحتياط الفدرالي للتضخم، والبالغ 2%. وسيقود هذا الاعتدال تراجع صدمة السياسات التجارية واستمرار "ذوبان الجليد" في سوق العمل، في أرجح التقديرات.

ومن المتوقع على نطاق واسع أن يواصل بنك الاحتياط الفدرالي دورة التيسير النقدي، مع احتمال خفض أسعار الفائدة إلى نطاق يتراوح بين 3.25% و3.50% بحلول منتصف العام، وأكثر من ذلك في الأشهر التالية، إذ استقر ترامب على عدم التجديد لرئيس البنك الحالي، ورفضه تعيين أي مرشح يخالف رؤيته الداعمة خفض معدلات الفائدة.

ومن شأن هذا المناخ النقدي الأكثر تيسيرا، إلى جانب الآثار المتبقية لـ"رديات الضرائب" بموجب قانون الميزانية الذي قدمه ترامب، أن يدعم إنفاق المستهلكين خلال النصف الأول من 2026، للارتفاع.

إعلان

أما القصة الحقيقية لعام 2026 فستتمثل في الانتقال من الاستثمار في الذكاء الاصطناعي إلى تطبيقاته الفعلية، والتي يقول الخبراء إنها قد تدفع بكلفة الخبرات الفنية إلى ما يقارب الصفر. فإذا بدأت النفقات الرأسمالية الضخمة لعام 2025 في تحقيق مكاسب إنتاجية ملموسة، فقد تدخل الولايات المتحدة فترة من النمو غير التضخمي، ما يسمح لمجلس الاحتياط الفدرالي بخفض أسعار الفائدة بوتيرة أسرع مما تتوقعه الأسواق حاليا. أما إذا فشلت هذه الاستثمارات في إحداث أثر واضح على صافي الأرباح، فقد تواجه أسواق الأسهم مراجعة قاسية لتقييمات قطاع التكنولوجيا.

وعلى مستوى القطاعات، يُتوقع أن يكون عام 2026 عاما لـ"اتساع قاعدة النمو". وبينما قاد قطاع التكنولوجيا الزخم في 2025، فمن المنتظر أن يؤدي تزامن انخفاض أسعار الفائدة مع تخفيف القيود التنظيمية إلى إنعاش قطاعات "راكدة" مثل الإسكان والتمويل.

ومع ذلك، لا تزال هناك مخاطر كبيرة تحف بالاقتصاد الأكبر في العالم، من بينها قرار المحكمة العليا المرتقب بشأن قانونية فرض الرئيس الأميركي الرسوم الجمركية الطارئة دون الرجوع إلى الكونغرس، وإعادة التفاوض على اتفاقية التجارة بين الولايات المتحدة والمكسيك، وكندا.

وتشير هذه "الرياح المعاكسة للسياسات" إلى أنه، رغم أن الاقتصاد الأميركي قد شهد بعض الاستقرار خلال العام المنتهي، فإنه يظل استقرارا هشا، يعتمد بدرجة كبيرة على استمرار نجاح قطاع التكنولوجيا المتقدمة في قيادته، وعلى حسن إدارة بيئة تجارة عالمية لا تزال مرتفعة التكاليف.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



إقرأ المزيد