الجزيرة.نت - 1/1/2026 8:29:53 PM - GMT (+3 )
لطالما عبّرت اللغة الإنسانية عن الحب بوصفه إحساسا "قلبيا" وعن القلق بوصفه شعورا "معويا"، فنقول خفق قلبه حبا وانقبضت معدته خوفا، لكن علم الأعصاب وعلم النفس الحديثين يطرحان سؤالا جوهريا: هل القلب والمعدة هما حقا موطن المشاعر؟ أم أنهما مجرد مرآتين لاستجابات أعمق مصدرها الدماغ؟
تؤكد أبحاث علم الأعصاب أن المشاعر الإنسانية -ومنها الحب والقلق– تنشأ في الدماغ، ضمن شبكات معقدة تشمل أساسا الجهاز الحوفي المسؤول عن الانفعال والذاكرة العاطفية، واللوزة الدماغية التي تتعامل مع الخطر والتهديد، إضافة إلى دوائر المكافأة المرتبطة بالدوبامين مثل النواة المتكئة والقشرة الجبهية الحجاجية (المدارية).
وفي مقال علمي نشرته مجلة "فيبس ليترز" (FEBS Letters) التابعة للاتحاد الأوروبي لجمعيات الكيمياء الحيوية، بعنوان "البيولوجيا العصبية للحب" (The neurobiology of love) عام 2007، يوضح عالم الأعصاب سمير زكي أن الحب الرومانسي ليس حالة شعورية غامضة، بل هو نمط محدد من النشاط العصبي قابل للرصد بالتصوير الوظيفي للدماغ تتفاعل فيه أنظمة المكافأة والدافعية والانتباه، أي أن الدماغ هو من يحب ويقلق ويخاف -وليس لا القلب ولا المعدة- بينما الجسد هو المسرح الذي تظهر عليه هذه المشاعر.
لماذا نشعر بالحب في القلب إذن؟رغم أن منشأ الحب "عصبي"، فإن الجسم كله يشارك في التجربة، فعندما ينشط الدماغ في حالة حب أو انجذاب قوي: يفعّل الجهاز العصبي الذاتي، ويزداد إفراز الأدرينالين والنورأدرينالين، كما تتسارع ضربات القلب ويتغير إيقاعها.
قد نشعر بدفء أو توتر في الصدر واحمرار في الوجه وتغير في التنفس، هذا التفاعل يجعل القلب واجهة جسدية للشعور لا مصدره.
وتشير دراسات في علم النفس الفسيولوجي وعلم الأعصاب الاجتماعي إلى أن القلب يستجيب مباشرة لإشارات الدماغ العاطفية، فتحدث تغييرات ملموسة في النبض وضغط الدم، مما يثير إحساسا واعيا بالخفقان يُفسر ثقافيا بوصفه "حبا" أو "انجذابا" في لقاء عاطفي، و"خوفا" أو "قلقا" في موقف تهديد.
إعلان
من الناحية النفسية لا يكتفي الدماغ برصد ما يجري في الجسم، بل يمنحه معنى، لذلك ترى الاتجاهات الحديثة في علم النفس الانفعالي أن المشاعر ليست إحساسا جسديا فحسب، بل هي أيضا تفسير ذهني لما يشعر به الإنسان في سياق معين.
هل يختلف ذلك بين الرجل والمرأة؟من الناحية الفسيولوجية تعمل قلوب الرجال والنساء بالآليات نفسها تقريبا عند الوقوع في الحب أو التعرض للانفعال، فالاختلاف لا يكمن في القلب ذاته بقدر ما يتعلق بكيفية عيش التجربة والتعبير عنها.
قد تختلف شدة خفقان القلب أو الشعور الجسدي من شخص لآخر، وليس فقط بين الجنسين، وقد تختلف طريقة تفسير هذا الإحساس والتعبير عنه بحسب التنشئة والثقافة والأدوار الاجتماعية.
وتشير بعض الدراسات النفسية إلى أن النساء -في المتوسط- يمِلن إلى ملاحظة التغيرات الجسدية المرتبطة بالمشاعر بدقة أكبر ويستخدمن لغة وصفية أوسع للتعبير عن الإحساس الداخلي، بينما يركز الرجال أكثر على الفعل أو السلوك، ويصفون الإحساس الجسدي بعبارات عامة مثل "متوتر" أو "قلق" دون الدخول في تفاصيل ما يجري داخل الجسم.
هذه الفروق ليست مطلقة، فهناك تداخل كبير بين الجنسين كما أن للشخصية والخبرة الحياتية دورا مهما أيضا.
إذا كان القلب واجهة للحب، فإن المعدة والأمعاء يمثّلان الواجهة الأوضح للقلق، ويفسر العلماء ذلك بما يُسمى محور الدماغ–الأمعاء (Gut–Brain Axis)، وهو شبكة تواصل مستمرة بين الدماغ والجهاز الهضمي عبر الأعصاب والهرمونات وجهاز المناعة، كما توضح ذلك مراجعات منشورة في مجلة التحقيق السريري (Journal of Clinical Investigation) وغيرها من الدوريات المتخصصة.
ويحتوي الجهاز الهضمي على شبكة عصبية معقدة تُعرف بـ"الجهاز العصبي المعوي" (Enteric Nervous System)، تضم أكثر من 100 مليون خلية عصبية، لذلك يصفه بعض الباحثين بـ"الدماغ الثاني".
وعند التوتر أو القلق ينشط الجهاز العصبي الودي (Sympathetic)، فيُعاد توجيه الدم بعيدا عن الجهاز الهضمي نحو العضلات والقلب، وتتغير حركة الأمعاء وحساسيتها فيشعر الإنسان بتقلصات أو غثيان أو ما يطلق عليه "فراشات في البطن".
هذا الشعور ليس مجرد مجاز لغوي، وتوضح مراجعة منشورة عام 2015 في حوليات طب الجهاز الهضمي (Annals of Gastroenterology) أن اضطرابات القلق والاكتئاب شائعة لدى مرضى متلازمة القولون العصبي، وأن التغيرات التي تطرأ على حركة الأمعاء تحت تأثير التوتر تعكس تفاعلا حقيقيا بين الدماغ والجهاز العصبي المعوي وهو ما يفسر الأعراض الهضمية المرتبطة بالقلق.
من المنظور النفسي يعني ذلك أن القلق لا يعيش في الأفكار فقط، بل يتجسد في الجسم، وخاصة في المعدة التي تنقبض والشهية التي تضطرب والنوم الذي يتقطّع.
حين يتعلق الأمر بالمشاعر تظهر الأبحاث أن الفروق بين الرجل والمرأة أقل بكثير مما تبرزه الصور النمطية، وأنها تتركز في طريقة معالجة المشاعر والتعبير عنها أكثر من كونها فروقا في "كمية" المشاعر نفسها.
إعلان
وتشير مراجعات في علم الأعصاب العاطفي إلى أن النساء -في المتوسط- قد يبدين نشاطا أعلى في بعض مناطق الدماغ المرتبطة بالتعاطف وقراءة تعابير الوجه، ودقة أكبر في التعرف على الإشارات العاطفية لدى الآخرين.
وفي المقابل قد يميل الرجال إلى استجابات جسدية قوية للمشاعر مثل تسارع ضربات القلب أو ارتفاع ضغط الدم، مع تعبير لفظي أقل أو مؤجَّل عن تلك المشاعر.
وتشير مراجعة منشورة في مجلة علم الأعصاب النفسية (Neuropsychologia) -قدمتها الباحثة بياتريس كريت وزميلها دي غيلدر عام 2012- إلى أن هذه الفروق إحصائية وليست حتمية، وأن هناك تداخلا واسعا بين الرجال والنساء، وأن ما نراه على السطح هو حصيلة تفاعل معقّد بين العوامل البيولوجية مثل الهرمونات، والعوامل الاجتماعية مثل التنشئة وتوقّعات المجتمع من كلا الجنسين.
نفسيا تشجع كثير من الثقافات النساء على الكلام عن مشاعرهن والانتباه إلى أجسادهن، في حين تشجع الرجال على الكتمان والتحمّل، وهو ما يعزز صورة نمطية خاطئة بأن النساء "أكثر عاطفية" والرجال "أكثر عقلانية"، بينما الواقع أن طريقة عرض المشاعر هي التي تختلف، وليس وجودها أو عمقها.
قبل أن يفهم الإنسان الدماغ كان يراقب جسده، رأى قلبه يخفق حين يشتاق وشعر بمعدته تنقبض حين يقلق أو يواجه موقفا مصيريا، فحوّل هذه الاستجابات الجسدية إلى رموز لغوية وثقافية، فأصبح القلب مرادفا للحب والشجاعة، والمعدة والأمعاء للخوف والتوتر.
ويوضح عالم الأعصاب أنطونيو داماسيو في كتابه "الشعور بما يحدث: الجسد والعاطفة في تشكّل الوعي" الصادر عام 1999 عن دار "هاركورت"، أن المشاعر لا تُفهم بمعزل عن الجسم، فالدماغ يقرأ التغيرات الجسدية ويحولها إلى تجربة واعية، وأن ما نسميه "شعورا" هو في جوهره إدراك الدماغ للحالة الجسدية في لحظة معينة.
هذا يفسر لماذا تستمر اللغة في الحديث عن "قلب مكسور" و"معدة معقودة"، حتى بعد أن أوضح العلم أن مركز القرار الحقيقي هو الدماغ.
وبينما يميل العلم إلى قياس المشاعر عبر صور الدماغ وإشارات الأعصاب، تظل اللغة والشِعر متمسكين بالقلب والمعدة شاهدين صامتين على ما يقرره الدماغ، وعلى ما تختار الثقافة أن تراه وتسمّيه.
إقرأ المزيد


