شوارع لبنان تتلألأ.. سيارات تنقل البهجة من مدينة إلى أخرى
الجزيرة.نت -

Published On 1/1/2026

|

آخر تحديث: 19:47 (توقيت مكة)

شارِكْ

بيروت- في ليالي ديسمبر/كانون الأول، لم تعد شوارع لبنان تكتفي بزينة الميلاد المعلقة على الواجهات والأسواق، بل خرجت الأضواء إلى الطرقات نفسها، وتحديدا إلى السيارات التي تحولت إلى لوحات احتفالية متحركة. مركبات تتلألأ بألوان العيد، تتزيّن بنجوم مضيئة وأشجار صغيرة وأسلاك ضوئية تلتف حول هياكلها، وتجوب المدن والبلدات من الشمال إلى الجنوب، في مشهد غير مألوف سرعان ما أصبح محور اهتمام المارة وعدسات الهواتف.

هذا المشهد، الذي يندرج ضمن موجة جديدة من "الترندات" الموسمية، لقي تفاعلا واسعا بين اللبنانيين، من دون أي امتعاض يُذكر. على العكس، بدا وكأنه متنفس جماعي يضخ جرعة من البهجة في موسم أعياد يأتي بعد أشهر ثقيلة من الحرب والقلق وعدم الاستقرار.

ففي بلد اعتاد الأخبار القاسية، بدت هذه السيارات المضيئة كرسائل أمل عابرة تذكّر بأن لحظات السرور والاحتفال لا تزال ممكنة، ولو بأبسط أشكالها وعلى وقع أضواء متحركة.

تتراوح تكلفة تزيين السيارة بين 150 و200 دولار وتشمل آلاف اللمبات (الجزيرة)

ويكشف سليم صباغ المتخصص في تركيب أضواء الميلاد على السيارات، في حديثه إلى الجزيرة نت، عن ازدياد ملحوظ في الطلب على هذه الخدمة خلال الأسابيع الأخيرة، ويشير إلى أن عددا كبيرا من السائقين باتوا يقبلون على تزيين سياراتهم، سواء للمشاركة في جولات جماعية منظّمة أو لإضفاء لمسة احتفالية على تنقلاتهم اليومية.

ويشير صباغ إلى أن المواد المستخدمة آمنة ولا تترك أي أثر على طلاء السيارة، إذ تُعتمد تقنيات تثبيت خاصة تراعي سلامة الهيكل الخارجي، مما يخفف من المخاوف المرتبطة باستخدام اللاصق أو الأسلاك.

أما من حيث الكلفة، فتتراوح الأسعار بين 150 و200 دولار، وهي أرقام تعكس طبيعة الخدمة التي تتطلب وقتا وجهدا ومعدات خاصة. ويبدأ عدد الأضواء من نحو 3 آلاف لمبة، وقد يصل إلى 6 آلاف أو أكثر تبعا لحجم السيارة وشكلها، مما يجعل كل مركبة تجربة بصرية مختلفة تنبض بالحياة على الطريق، وتلفت الأنظار أينما حلّت.

شهد الطلب على تزيين السيارات ازديادا ملحوظا هذا العام (الجزيرة)
مواكب البهجة

من قلب هذه الظاهرة الحديثة، ولدت شركة ومبادرة "فروستي رايدز" (Frosty Rides)، التي تحولت -وفق مؤسسها جو سعادة- إلى أحد أبرز التجمعات في لبنان المتخصصة بتنظيم مواكب السيارات المزيّنة. انطلقت الفكرة قبل نحو 3 سنوات، مستوحاة من مشاهد انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، لكنها سرعان ما اكتسبت بصمة محلية تعكس تنوع الشارع اللبناني وخصوصية مناطقه.

إعلان

ويقول سعادة للجزيرة نت إن البداية كانت بسيطة، لكنها تطورت سريعا لتصبح رسالة تحمل بعدا إنسانيا واجتماعيا: "بدأنا كتجربة فردية بعد أن شاهدنا هذا الشكل من تزيين السيارات خارج لبنان، وكنا من أوائل من نفذها محليا، اليوم أصبحنا كوميونيتي منظّمة تضم فرقا متخصصة في فعاليات الميلاد والجولات الاحتفالية."

ويضيف أن الهدف لم يكن الربح، بل إشراك أكبر عدد ممكن من الناس في أجواء البهجة، سواء من خلال فرق التركيب أو عبر باقات يمكن تنفيذها في المنازل، ومع اعتماد أسعار مرنة وخيارات تناسب مختلف الإمكانات.

ويشير إلى أن الجولات لم تقتصر على العاصمة فقط، بل امتدت من الشمال إلى البقاع وصولا إلى الجنوب، في محاولة لنشر أجواء العيد في بلد أنهكته الأزمات المتلاحقة ويحتاج إلى لحظات من الإيجابية والسعادة.

سيارات لبنان تحولت إلى لوحات احتفالية متنقلة تضيء الشوارع بأجواء الأعياد (الجزيرة)

بعيدا عن الجانب التنظيمي، يؤكد سعادة أن البعد المعنوي هو الأهم: "ما نقوم به هو محاولة لبثّ البسمة في زمن صعب، والتأكيد على أن الميلاد في لبنان مناسبة جامعة يتقاسم دفئها الجميع خصوصا أولئك الذين خرجوا من الحرب مثقلين بالتعب والوجع، باحثين عن لحظة ضوء وسط العتمة."

على الطرقات، يلمس المشاركون أثر هذه المبادرة بشكل مباشر، كارل سمعان، أحد الذين زيّنوا سياراتهم وشاركوا في الجولات، يقول للجزيرة نت إن هذه المبادرة أعادت إلى الشارع شيئا من أجواء العيد الغائبة. "أثناء السير، ترى الناس تبتسم، تلوّح، وتلتقط الصور، كأن مشاعر السرور تنتقل من سيارة إلى أخرى"، يضيف مشيرا إلى أن هذه مشاركته الثانية على التوالي، وأن الفكرة "محبّبة وتستحق التكرار" خصوصا أن كلفتها، برأيه، مقبولة قياسا بما تخلقه من أجواء إيجابية.

أما جوزيف سيسين، وهو مشارك آخر، فيصف التجربة بأنها "خطوة بسيطة لكنها تترك أثرا كبيرا"، ويقول للجزيرة نت: "عندما نتحرّك ضمن مجموعات كبيرة، نلاحظ تفاعل الناس بشكل لافت، الهدف أن يشعر الجميع بأن هناك من يحاول إحياء روح العيد ومشاركتها معهم"، ويضيف أن مشاركته للسنة الثانية جاءت بدافع الرغبة في الحفاظ على هذه الحالة الاحتفالية وعدم تركها عابرة.

بين أضواء السيارات وابتسامات المارة، يبدو المشهد أبعد من مجرد زينة موسمية، فهو محاولة جماعية لاستعادة البهجة، ولو مؤقتا، وإعادة رسم صورة مختلفة للشارع اللبناني في زمن الأعياد: شارع يلمع، يتنفس أجواء الأعياد، ويتشبث بالأمل، رغم كل ما مرّ به من أزمات وتحديات.



إقرأ المزيد