جريدة الأنباء الكويتية - 3/26/2026 10:48:48 PM - GMT (+3 )
مضى شهر رمضان المبارك أعاده الله علينا بالخير والبركات. وعلى الرغم مما حل بنا وبالأمة الإسلامية ودول الخليج العربي بخاصة من محن، فإن الله عز وجل سوف يرفع بإذنه وبعزته ما نعانيه جميعا من آثار هذا العدوان الذي حل بنا دون أن نحتسب، لأن عدوان دولة مسلمة على دولة مسلمة أخرى دون أن يكون هناك سبب قاطع للعدوان أمر لا يقبله الدين ولا الضمير. إن مما ينبغي أن نلتزم به بصفتنا مسلمين أن نحرص على وحدة صفنا وعلى تآلفنا وصيانة العلاقات التي ينبغي أن تسود بيننا، وهذا هو ما نرى خلافه من المعتدين. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصا على أن تكون أمة الإسلام واحدة، وأن تسود المودة بين المسلمين، ويكفي أن وصيته التي لا تنسى هي في قوله الكريم: «لقد تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك».
ولقد أدى الرسالة وحفظ الأمانة وصار دور أمته من بعده صلى الله عليه وسلم هو الحفاظ على ما جعل الرسول الكريم حياته كلها متوقفة عليه وهو إيصال ما بعثة الله عز وجل به من الهدى والنور إلى الخلق كافة، وإقامة الحق والعدل، وتأكيد قوله تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام).
هذه الإشارات العابرة هنا هي التي تدعونا إلى أن نذكر بعض النقاط التي حدثت فيه، وفي هذا شبه استكمال لما نهدف إليه من بيان مزايا شهر الصيام وفضله.
وباختصار شديد، فإن من أهم ما حدث في شهرنا هذا هو بالإضافة إلى ما سبق ذكره:
1 - إسلام الشاعر كعب بن زهير.
2 - إسلام الشاعر لبيد بن ربيعة.
3 - فرض الزكاة وبيان توزيعها وعما لها.
وذكر هذه الأمور الثلاثة مستمد من كتاب يأتي ذكره أدناه:
كان من أهم الأعمال التي قام بها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت عند بداية أنشطته، هو إصدار كتاب تاريخي مهم تحت عنوان:«أزمنة التاريخ الإسلامي»، وهو من تأليف د. عبدالسلام الترمانيني الذي كان رئيسا لقسم القانون الخاص في كلية الحقوق بجامعة الكويت.
وقد صدر أول أجزائه في سنة 1982م وكانت بداية هذا الجزء بالسنة الأولى للهجرة النبوية إلى المدينة المنورة، والكتاب مهم في بابه، يختصر لقارئه أوقات البحث عن تاريخ حدوث كل حادث من أحداث التاريخ الإسلامي، وفق نظام جيد يذكر المؤلف من خلاله كل ما يرد ذكره مما جرى في الفترات التي التزم الكتاب ببيان ذكرها، وذلك بموجب التاريخين الهجري والميلادي، متناولا - في البداية - تاريخ الهجرة النبوية الشريفة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، مستمرا في ذلك ومبينا لكل ما جرى إبان حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما بعد وفاته، ذاكرا - بعد ذلك - قيام دولة الإسلام وانتشاره.
ومما يذكر - على سبيل المثال - عن السنة التاسعة للهجرة أنها تأتي بين سنتي 630م و631م.
وهذا بيان الأمور التي حدثت خلال شهر رمضان وفق ما أشرنا إليه، ووفق ما ورد في الكتاب المذكور على أننا نستبق ذلك بذكر ما حدث لأهل مدينة الطائف في ذلك الوقت، ثم نعود - بعد ذلك - إلى حديث كتاب:«أزمنة التاريخ العربي».
وكان قد مر بنا ذكر ما حدث في هذه البلدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وما لقيه من أهلها من الأذى الذي فاق ما ناله من قريش (أهل مكة). ففي السنة التاسعة كان الإسلام قد فشي في جزيرة العرب، ولم تبق إلا بعض الأماكن التي أبت أن تنصاع للحق، ومنها الطائف التي كانت مسكن قبيلة ثقيف في ذلك الوقت، بالإضافة إلى من له صلة بهذه القبيلة.
وكانت قد حدثت غزوة حنين التي جرت أحداثها مع جيش الإسلام بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم ضد مجموعات من الذين لم يسلموا بعد فتح مكة. وكان مع هؤلاء عدد كبير من رجال ثقيف، وقد نصر الله جنده في هذه المعركة، بعد أن ظن المناهضون للدعوة الإسلامية أنهم هو الغالبون، فقتل هناك من قتل، وأسر من أسر، ومضى رجال ثقيف إلى الطائف مغلقين أبواب مدينتهم في وجه كل طارئ فقد كانت هذه البلدة محصنة بسور متين البنيان.
وحين فرغ الرسول صلى الله عليه وسلم من حنين اتجه إلى الطائف، وحاصرها، ولكنه - آخر الأمر - وجد أن فتحها لم يحن وفته بعد، فغادرها راجعا إلى المدينة المنورة.
وهنا عبارات ذات معنى عميق، ولها صلة بأمر الطائف، قد أوردها كاتب السيرة النبوية: عبدالملك بن هشام، ولابد من أجل استكمال حديثنا هذا من ذكرها، وهي: «حتى إذا كان يوم الشدخة عند جدار الطائف، دخل نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت دبابة، ثم زحفوا بها إلى جدار الطائف ليخرقوه، فأرسلت عليه ثقيف سكك الحديد محماة بالنار، فخرجوا من تحتها، فرمتهم ثقيف بالنبل فقتلوا منهم رجالا».
وفي هذا النص:
أ - لفظ الشدخة.
ب - لفظ الدبابة.
ج - لفظ النقبة.
د - أما سكك الحديد التي ذكرها ابن هشام هنا فهي مسامير تحمى بالنار، فتقذف من بعيد على الخصوم في الحرب.
والشدخة لفظ مشتق من الشدخ وهو كسر الشيء الأجوف وعبر به المؤلف عن قذيفة أطلقت على المسلمين عند سور الطائف، وهذا اللفظ دارج في لهجتنا بهذا المعنى، يقال: شدخ فلان بالشيء رماه على الأرض بشدة حتى تفتت.
وأما الدبابة، فقد ذكرها محمد بن منظور في كتابه لسان العرب، فقال عنها: «والدبابة (هي) التي في الحروب، تدخل فيها الرجال، ثم تدفع في أصل حصن، فينقبونه وهم في جوفها، وسميت بذلك لأنها تدفع فتدب». وأضاف: «الدبابة آلة تتخذ من جلود وخشب، يدخل فيها الرجل ويقربونها من الحص المحاصر لينقبوه».
«والنقبة فتحة تكون في السور لكي يتاح للجنود الدخول إلى البلد المحاط به».
والدبابة وهي آلة الحرب المعروفة الآن، وقد أخذ اسمها من تلك الدبابة القديمة التي لم تكن آلية ولكنها تقوم بما يشبه دبابة اليوم.
ولفظ النقبة من ألفاظ اللهجة الكويتية، وهي فتحة مشابهة للفتحة المذكورة هنا، تكون بين بيتين متلاصقين.
ولم يكن الرسول الكريم راغبا في العودة من حيث أتى حتى لا تسبب عودته ضيقا في نفوس المسلمين، في الوقت الذي لم يأت أمر الله سبحانه وتعالى له بالحرب، فكان ينتظر المبادرة من جانب من يحيط به من المحاربين. وقد حدث فقد جاءت أمرأة تطلب منه حلي أمرأة أخرى من نساء الطائف إذا بدأت الحرب وتم النصر، فقال لها: «وإن كان لم يؤذن لي في ثقيف؟. وقد علم سيدنا عمر بن الخطاب بهذا الأمر منها فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «أو ما أذن لك فيهم يا رسول الله؟ قال: لا فقال عمر: أفلا أؤذن بالرحيل؟ قال: بلى، فأذن عمر بالرحيل. ولقد كان موقف الرسول الكريم حكيما لأن خروجه المفاجئ سوف يتسبب في فتنة بين الناس، ولكن ما جرى كان من واحد منهم هو سيدنا عمر بن الخطاب الذي استمع إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم للمرأة، ووجد أنه لا بد من أن ينفذ أمر الله. وهكذا كان وإن تبينت ملامح من بعض الأشخاص أكدت سبب توقف الرسول الكريم في البداية عن اتخاذ قرار الانصراف. وهذا واضح في كتاب ابن هشام المشار إليه، وفي هذا الكتاب - أيضا - دليل آخر ونصه:
«وقد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر الصديق وهو محاصر ثقيفا: يا أبا بكر، إني رايت أني أهديت لي قبعة مملوءة زبدا، فنقرها ديك فهراق ما فيها. فقال أبو بكر: ما أظن أن تدرك منهم يومك هذا ما تريد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنا لا أرى ذلك».
والقبعة: إناء معروف بهذا الاسم عندنا قديما، وهو الغلاف الذي يحوي لب جوز الهند، وكان هذا الغلاف يقطع إلى نصفين يستعمل كل نصف منه لشرب الماء وأعمال أخرى.
ومضت سنة ثمان للهجرة، وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك في السنة التاسعة ظافرا بفضل الله تعالى، وأحست ثقيف بأن بقاءها على ما هي عليه من الكفر أمر لا مبرر له، فقد أجمعت جزيرة العرب على اعتناق الإسلام وطاعة الله ورسوله، فأرسلت من يمثلها رغبة في الدخول إلى حظيرة الإسلام، ولكن على طريقتهم الخاصة، وقد رفض كل ما طلبوا الحصول علىه، وامتد الحوار معهم طويلا، ولكنهم أسلموا جميعا في نهاية المطاف، لأنهم عرفوا أن الإسلام واحد، وأنه دين الله في الأرض. وبذلك فتحت بلادهم بإرادة الله عز وجل بلا حرب كان من الممكن أن تطول وأن تكون لها آثار سيئة قد تعرقل مسيرة الإسلام.
وفي أعقاب ما حدث في الطائف، وبعد عودة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة جاءه الشاعر كعب بن زهير بن أبي سلمى مسلما. وكان شاعرا مشهورا له قصيدة ينشدها الناس إلى يومنا هذا، وهو ابن أحد كبار شعراء الجاهلية صاحب المعلقة المشهورة التي كان مطلعها:
أمن أم أوفى دمنة لم تكلم
بحومانة الدراج فالمتثلــــــــم
أما كعب بن زهير فقد كان مصرا على الكفر، يردد شعرا فيه أذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه، وللدين الحنيف، وكان أخوه بجير بن زهير قد أسلم من قبل، وآلمه أن يرى أخاه في مثل هذا الموقف، فهو يعرف أن أخاه كعبا كان عاقلا رزينا يدل عليه ما قاله من شعر نراه الآن وقد ضمه ديوان مطبوع، وجدير بمثله أن ينصاع للحق، وأن يلتحق بكتيبة الإسلام، ولكنه ركب رأسه زمنا ولج في العصيان إلى أن وجد بجير - أخوه - أن الأمر قد ضاق على أخيه، وأنه ينبغي أن يتبع الحق ويسلم، فكتب إليه يدعوه إلى الحضور إلى المدينة المنورة وافدا على الرسول الكريم معترفا بما بدر منه معلنا إسلامه لله رب العالمين، مقلعا عن كل ما كان فيه من كفر وصد عن سبيل الله. وقد كان، ودخل كعب المدينة خائفا يترقب خشية أن يراه أحد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيفتك به جراء أشعاره التي استفاضت وآذت المسلمين جمعاء.
وكانت حكاية دخوله على الرسول الكريم في مسجده وبين أصحابه مما تزدان به كتب السيرة، فقد ورد في ذلك أنه هجا أخاه بجيرا حين علم بإسلامه، وهجا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هجا أصحابه. فتوعده الرسول الكريم، وهدر دمه، مما جعله خائفا يرمي نفسه على القبائل رجاء إجارته دون جدوى، لأنه لا أحد يجير على رسول الله، وهذا ما جعل أخاه بجيرا يسارع إلى دعوته إلى الحضور، قائلا له إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقتل من أتاه تائبا مسلما وهكذا حدث، وقبل الرسول الكريم توبته واستمع إليه.
وفي هذا المجلس الشريف - مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم - ألقى كعب بن زهير قصيدته المشهورة:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
متيم إثرها لم يفد مكبول
وما سعاد غداة البين إذ رحلوا
إلا أغن غضيض الطرف مكحول
ومنها في مدح الرسول الكريم وفي استعطافه يقول:
نبئت أن رسول الله أوعدني
والعفو عند رسول الله مأمول
مهلا هداك الذي أعطاك نافلة الـ
قرآن فيها مواعيظ وتفصيل
لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم
أذنب ولو كثرت في الأقاويل
ويصف حاله قبل تشرفه بلقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وحصوله على عفوه الكريم:
مازلت أقتطع البيداء مدرعا
جنح الظلام وثوب الليل مسبول
حتى وضعت يميني لا أنازعه
في كف ذي نقمات قيله القيل
لذاك أهيب عندي إذ أكلمه
وقيل إنك مسبور ومسؤول
من ضيغم من ضراء الأسد مخدرة
ببطن عثر غيل دونه غيل
(ضيغم: أسد، ضراء الأرض: ما يوارى المرء من نبات فيها، مخدر الأسد: مقره في الغابة، عثر: اسم مكان، الغيل: مجموعة ملتفة من الأشجار).
أما لبيد بن ربيعة فهو شاعر مخضرم عاش في الجاهلية وفي جزء لا بأس به من صدر الإسلام، وهو واحد من شعراء العصر الجاهلي الذين علقت واحدة من قصائدهم على جدار الكعبة المشرفة اعتزازا بها واعترافا بقيمتها الشعرية، وكانت معلقة لبيد هي التي تبدأ بقوله:
عفت الديار محلها فمقامها
بمنى تأبد غولها فرجامــــها
ومنها يذكر أن هذه الديار التي:
رزقت مرابيع النجوم وصابها
ودق الرواعد جودها فرهامها
من كل سارية وغـــــــاد مدجن
وعشية متجـــاوب إرزامـــــها
والقصيدة طويلة، وقد سبق لي أن شرحتها، ثم قارنتها بقصيدة من الشعر النبطي الكويتي قالها شاعر الكويت عبدالله محمد الفرج، مطلعها:
هل الدار إلا خافيات ارسومها
وهل شاخص في الحي إلا أوسومها
وفيها مما يشبه بيتي لبيد السابق ذكرهما:
عواف تلوح اطلالها في عرضها
كما لاح بكفوف العذارى وسومها
تلوح بقاياها كما وصف رمة
نحا الطير والسرحان عنها إلحومها
ومن أراد أن يطلع على هذه المقارنة فإنه سوف يجدها في كتابي «الأزمنة والأمكنة» ج4 ص 477 وما بعدها.
قدم لبيد بن ربيعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة مع وفد من قبيلة بني كلاب. وأسلم معهم، وتمسك بدينه لا يحيد عنه، مفضلا قراءة القرآن الكريم على قول الشعر، وهذا هو ما تدل عليه مخاطبة سيدنا عمر بن الخطاب له حول هذا الأمر، فقد سأل هذا الصحابي الجليل الشاعر أن ينشده شيئا من شعره، فقال ردا على ذلك: ما كنت لأقول شعرا بعد أن علمني الله سورة البقرة.
وكان من شعره هذه القصيدة التي قالها مادحا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنها:
أتيناك يا خير البرية كلها
لترحمنا مما لقينا من الأزل
أتيناك والعذراء يدمى لبانها
وقد ذهلت أم الصبي عن الطفل
وألقى تكنيه الشجاع استكانة
من الجوع صمتا لا يمر ولا يحلي
وليس لنا إلا إليك فرارنا
وأين يفر الناس إلا إلى الرسل
ومن قصائده بعد إسلامه قوله:
إن تقوى ربنا خير نفل
وبإذن الله ريثي وعجل
أحمد الله فلا ند له
بيديه الخير ما شاء فعل
من هداه سبل الخير اهتدى
ناعم البال ومن شاء أضل
وقال في أخريات سني حياته قصيدة ذكر فيها كثيرا مما مر به من أحداث دهره، وما شهده في عمره الطويل الذي أشرنا إليه فيما مر بنا، فكان أول ما قال فيها:
قضي الأمور وأنجز الموعود
والله ربي ماجد محمود
وله الفواضل والنوافل والعلا
وله أثيث الخير والمعدود
(الأثيث: الكثير).
وكان منها قوله:
ولقد سئمت من الحياة وطولها
وسؤال هذا الناس: كيف لبيد؟
وغنيت سبتا قبل مجرى داحس
لو كان للنفس اللجوج خلود
يقول: عشت دهرا قبل حرب داحس، وليس للنفس خلود حتى ولو كانت شديدة اللجاحة (الإلحاح) في طلبها للخلود.
وتذكرنا داحس التي ورد اسمها في هذا الشعر بالحرب التي جرت في الجاهلية سنة 568م واستمرت مدة أربعين سنة. وكان الذي أشعل شرارتها خلاف نشأ بسبب نتيجة سباق تم بين فرسين هما داحس والغبراء وكان طرفا الحرب هما: مجموعة من رجال قبيلة عبس، ومجموعة أخرى من أفراد قبيلة ذبيان.
وينتهي بنا الحديث هنا، بعد أن ذكرنا أهم ما يمكننا أن نذكره ونحن في أيام شهر رمضان المبارك، ولا أجمل عندنا من أن نستعيد ذكرى تلك الأحداث التي تدل على صورة الحياة على مر السنين ابتداء من الفترة الأولى لظهور الإسلام، ودعوة الرسول الكريم الناس إلى عبادة الله وحده، وإبلاغهم بأن الدين عند الله الإسلام، وبذا فإننا قد استذكرنا شيئا مما جرى في تلك الفترة وما تلاها، واستعدنا ذكر رجال ونساء كان لهم ولهن دور مهم في مؤازرة الرسول الكريم منذ آمنوا بما أرسل به من ربه، فحملوا راية الإسلام ونشروه في الآفاق، وتناقلته الأجيال اللاحقة حتى عُبد الله جل شأنه في كل مكان.
ونحن مهما تحدثنا عن هذا الشهر الكريم (شهر رمضان) فإننا لن نستطيع الإلمام بكل ما ينبغي أن يقال عنه، لأن مجال الحديث بشأنه مجال واسع يمتد بامتداد التاريخ الإسلامي، ومهما تحدثنا عن المسلمين والمسلمات ممن سبق إلى هذا الدين الحنيف فسوف نكون مقصرين في ذلك، لأن هؤلاء قد سبقوا غيرهم إلى هذا الفضل، وآزروا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوقات الشدة حين آذاه قومه. وبجهود هؤلاء وببركة رسوله الكريم انتشر الإسلام حتى عم الأرض في وقت قصير والحمدلله رب العالمين.
ومن أجل هذا، فإن من المهم أن نذكر بالإكبار ذلك الرعيل الأول من المسلمين والمسلمات، وندعو إلى الاقتداء بهم وبهن، والدعاء لهم ولهن، رضي الله عن الرجال منهم وعن النساء، فقد أثبت تاريخ الدعوة الأول أنه لم يتأخر أحد من هذين الطرفين عن القيام بما هو مطلوب منه مما نلخصه في أمرين هما:
الإيمان والنصرة، وقد شهد لهم القرآن الكريم بذلك حين قال الله سبحانه وتعالى: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما)، سورة الفتح: الآية رقم 29.
ويشهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله الكريم:
«أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم»،
وقوله الكريم في حديث آخر:
«لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم، ولا نصيفه»..
ولله الحمد أولا وأخيرا.
إقرأ المزيد


