جريدة الراي - 1/17/2026 10:00:43 PM - GMT (+3 )
- التعاون الأثري بين الكويت وفرنسا من أقدم الشراكات العلمية وأكثرها استمرارية
- الاكتشافات أثبتت أن الكويت كانت فضاءً للتعايش اللغوي والديني قبل 1200 عام
- قلعة إيكاروس ومعبد أرتميس شكّلا نقطة الانطلاق لفهم الدور الحضاري لـ «فيلكا»
- وجود الكنيسة والصلبان الجصية يثبت استقرار مجتمع مسيحي في الجزيرة
- الهدف المقبل حفظ الموقع وترميمه وفتحه للجمهور دون الإضرار به
- نُعدّ أول كتاب علمي شامل عن موقع القصور وآخر عن الصلبان الجصية
- تدريب الطلبة الكويتيين جزء أساسي من مهمتنا العلمية طويلة الأمد
على شواطئ جزيرة فيلكا، حيث تتراكم الأزمنة وتتشابك الحضارات، تواصل الأرض كشف طبقاتها الصامتة عن تاريخ غني ومتعدد.
من العصر الهلنستي إلى بدايات الإسلام، ومن المعابد إلى الأديرة المسيحية، تختزن الجزيرة شواهد نادرة على التعايش الديني والثقافي في الخليج.
وفي قلب هذا المشهد، تعمل بعثة الآثار الفرنسية - الكويتية على إعادة قراءة الذاكرة الحجرية، عبر تنقيب علمي طويل النفس، وجهد بحثي يسعى إلى صون الموقع وتحويله من أطلال مدفونة إلى سردية تاريخية مفتوحة أمام الجميع.
«الراي» جالت في جزيرة فيلكا، برفقة أعضاء في السفارة الفرنسية وطلبة قادمين من فرنسا إلى الكويت لدراسة اللغة العربية، وأجرت حواراً مع رئيسة البعثة الدكتورة جولي بونيريك.
أكدت رئيسة بعثة الآثار الفرنسية - الكويتية في جزيرة فيلكا، الدكتورة جولي بونيريك، أن التعاون الأثري بين الكويت وفرنسا يُعد من أقدم وأقوى مجالات الشراكة العلمية بين البلدين، مشيرة إلى أن أول بعثة أثرية فرنسية عملت في الكويت انطلقت قبل أكثر من أربعين عاماً، وأسهمت في الكشف عن مواقع مفصلية في تاريخ المنطقة.
وقالت بونيريك لـ«الراي» إن البعثات الفرنسية السابقة نجحت في التنقيب عن مواقع مهمة تعود إلى العصر الهلنستي، من بينها قلعة إيكاروس، ومعبد أرتميس، إلى جانب مواقع أثرية أخرى شكّلت أساساً لفهم تاريخ جزيرة فيلكا ودورها الحضاري.
وأوضحت أن البعثة الحالية، رغم اختلافها عن البعثات السابقة، تواصل العمل ضمن الإطار الفرنسي ذاته، وبشراكة وثيقة مع المركز الفرنسي للأبحاث في شبه الجزيرة العربية، والمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، والمتحف الوطني الكويتي.
وأضافت أن فريق البعثة يعمل سنوياً في موقع القصور الواقع وسط جزيرة فيلكا، وهو موقع بالغ الأهمية، حيث كشفت أعمال التنقيب أن تاريخه يمتد من العصر الأموي المبكر إلى العصر العباسي المبكر، أي من منتصف القرن السابع حتى منتصف القرن التاسع الميلادي.
كنيسة قبل 1200 عام
وأشارت بونيريك، إلى أن فرقاً أثرية سابقة نجحت في اكتشاف كنيسة مسيحية وعدد من الصلبان الجصية في الموقع، وهي معروضة حالياً في متحف الكويت الوطني، واصفة هذا الاكتشاف بأنه تحول كبير في فهم التاريخ الديني للكويت.
وأكدت أن هذه المكتشفات تُثبت وجود مجتمع مسيحي مستقر في جزيرة فيلكا خلال تلك الفترة، لافتة إلى أن البعثة الحالية تواصل العمل في الموقع نفسه لفهم تنظيم الدير وتطوره الزمني، وتحديد تاريخ تأسيسه بدقة.
وفي ما يتعلق بخطط البعثة المستقبلية، قالت بونيريك، إن العمل سيتواصل بهدف تحديد ما إذا كان الدير قد أُسس في فترة متأخرة أو في مرحلة مبكرة من العصر الإسلامي، لمعرفة ما إذا كان المجتمع المسيحي قد بدأ صغيراً ثم توسع لاحقاً.
وأوضحت أن طول موقع القصور تقارب كيلومترين، ما يجعله أكبر موقع أثري في جزيرة فيلكا، وأكبر موقع لدير مسيحي معروف حتى الآن في منطقة الخليج، إضافة إلى كونه من أكثر المواقع دراسة بفضل استمرارية أعمال التنقيب فيه.
وأضافت أن البعثة الفرنسية تعمل في موقع القصور منذ أكثر من 15 عاماً، وتخطط إلى جانب مواصلة التنقيب والبحث العلمي، لإطلاق مشروع متكامل لحفظ الموقع الأثري.
وبيّنت أن الهدف هو إزالة الردم الوقائي المستخدم حالياً لحماية الموقع، وتنفيذ أعمال ترميم باستخدام تقنيات تقليدية تعتمد على الطوب والطين، بما يسمح بفتح الموقع أمام الجمهور دون تعريضه للتلف الناتج عن العوامل الجوية.
وأشارت إلى أن البعثة تعمل حالياً على إنجاز أول كتاب علمي شامل عن موقع القصور، إضافة إلى كتاب آخر مخصص لدراسة الصلبان الجصية المكتشفة في الموقع.
تعددية لغوية ودينية
وحول تأثير هذه الاكتشافات على كتابة التاريخ الكويتي، قالت بونيريك، إن النتائج كانت «مذهلة»، إذ أثبتت أن الكويت تمتلك تاريخاً عريقاً ومتعدد الثقافات والأديان.
وأضافت أن الاكتشافات أكدت وجود مسيحيين يتحدثون اللغة السريانية والفارسية الوسطى، إلى جانب العربية، مشيرة إلى أن أحد الاكتشافات الحديثة تمثل في غرفة استقبال (أوسبِكا) تحتوي على نقش شعري مكتوب بلغتين، ما يدل على وجود تعايش لغوي وثقافي قبل نحو 1200 عام.
وأكدت أن هذه المعطيات التاريخية تشير إلى أن المجتمعات المسيحية والإسلامية كانت تعيش معاً في الجزيرة ضمن علاقات طبيعية ومستقرة.
وشددت رئيسة البعثة على أهمية نقل هذه المعرفة إلى المجتمع الكويتي، موضحة أنها شاركت مع أحد زملائها في تأليف كتاب شامل عن تاريخ الكويت القديم بالتعاون مع المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب والمركز الفرنسي للأبحاث.
وقالت إن الكتاب موجه لطلبة الجامعات والمدارس، ويهدف إلى تقديم صورة متكاملة عن تاريخ الكويت قبل النفط، مؤكدة أن معرفة هذا الإرث ضرورية للأجيال الجديدة.
اهتمام طلابي
وحول اهتمام الطلبة الكويتيين بعلم الآثار، أوضحت بونيريك، أن الكويت تمتلك حالياً كلية متخصصة في علم الآثار، وهي حديثة نسبياً، وأن البعثة الفرنسية تقوم منذ خمس سنوات بتدريب طلبة كويتيين من المتحف الوطني بمعدل أربعة متدربين سنوياً.
وأضافت أن بعض هؤلاء الطلبة يشاركون أيضاً في تدريبات ميدانية في مواقع أثرية خارج الكويت، مثل الأردن، في إطار التعاون الأكاديمي الدولي.
وكشفت عن طالبة كويتية تُعد رسالة دكتوراه حول الزجاج الأثري في بدايات العصر الإسلامي، تحت إشراف مشترك بينها وبين أستاذ في جامعة السوربون بباريس، ما يعكس عمق التعاون العلمي بين البلدين.
الفيلكاوي: آثار الكويت سجلٌّ مفتوح لتعاقب الحضارات منذ آلاف السنين
- منذ 1959والبعثات الدولية تعيد كتابة تاريخ الكويت حجراً حجراً
- موقع القصور أكبر موقع مسيحي مكتشف حتى الآن في الخليج العربي
- اكتشاف المدينة الدلمونية أكد امتداداً حضارياً يزيد على 4 آلاف عام
- البعثة الإيطالية في القرينية كشفت استيطاناً إسلامياً مبكراً وساسانيّاً أقدم
قال منسق البعثات الأثرية في الكويت حسن الفيلكاوي، إن الاكتشافات الأثرية التي حققتها البعثات الأجنبية العاملة في الكويت منذ عام 1959 وحتى اليوم، تمثل سجلاً تاريخياً متكاملاً لتعدد الحضارات التي تعاقبت على أرض الكويت، مشيراً إلى أنه عمل ميدانياً مع تسع بعثات أثرية دولية أسهمت في كشف معالم مهمة من تاريخ البلاد.
وأوضح الفيلكاوي، في تصريح لـ «الراي»، أن الاكتشافات الأثرية تنقسم إلى نوعين رئيسيين: آثار غير منقولة مثل المباني والمستوطنات والمعابد، وآثار منقولة تشمل التحف والتماثيل والأفران والأواني الفخارية، وغيرها من اللقى الأثرية التي توثق الحياة اليومية للسكان عبر العصور.
وأشار إلى أن البداية كانت مع أول بعثة دنماركية عام 1959، حيث كشفت أعمال التنقيب عن الحصن أو البرج الهلنستي المعروف بأنه قاعدة عسكرية للجيش اليوناني، ويضم معابد ومساكن ومذابح، وكان الجنود اليونانيون يعيشون فيه مع عائلاتهم.
وأضاف أن الموقع نفسه شهد اكتشاف حجر إيكاروس الشهير، إلى جانب حجر سوتيلوس، الذي تم العثور عليه بالصدفة عام 1937، كما أسفرت التنقيبات عن اكتشاف المدينة الدلمونية في العام نفسه 1959، وهي مدينة يعود تاريخها إلى أكثر من 4000 عام، ما يعكس عمق الامتداد الحضاري للكويت.
وتابع الفيلكاوي، أنه في بداية الثمانينات بدأت البعثة الفرنسية أعمالها، ونجحت في تحقيق ثلاثة اكتشافات بارزة، كان أبرزها معبد الإله مزك وقصر الحاكم الدلموني، إضافة إلى موقع ثالث يُعرف باسم «الخزنة»، كان يُعتقد أنه موقع مهم، إلا أنه تعرض للتدمير بصورة سيئة قبل استكمال أعمال التنقيب.
وأكد أن هذه الاكتشافات شكّلت محطات مفصلية في فهم التاريخ الدلموني للكويت خلال القرن الماضي.
وبيّن أن مرحلة ما بعد التحرير شهدت توسّعاً ملحوظاً في عدد البعثات الأثرية، إلى جانب استمرار البعثتين الدنماركية والفرنسية، حيث انضمت البعثة الإيطالية التي تعمل في موقع قرية القرينية، العائدة إلى بدايات العصر الإسلامي في القرن السابع الميلادي.
وأشار إلى أن البعثة الفرنسية تركز حالياً على موقع قرية القصور، وهو موقع مسيحي يُعد الأكبر من نوعه في منطقة الخليج العربي، بعد أن كانت اهتماماتها السابقة منصبة على الفترة الهلنستية.
وأضاف أن هناك بعثة فرنسية جديدة متخصصة في ترميم المواقع المسيحية، إلى جانب استمرار عمل البعثة الإيطالية في القرينية، حيث كشفت أعمال التنقيب العام الماضي عن وجود استيطان ساساني سابق للوجود الإسلامي، بل ووجود هلنستي يوناني شرقي سبق المرحلة الساسانية.
وأشار إلى البعثة السلوفاكية التي تعمل في منطقة القصور، لكن في موقع مختلف عن موقع البعثة الفرنسية.
إقرأ المزيد


